الحب.. وأشياء أخرى.

‏‎ما زلتُ أعجبُ من الحياةِ ومنطقِها المُعاكس؛ فأنت تركضُ خلفَ الأشياءِ لاهثًا فتهربُ منك، وما تكادُ تجلسُ وتقنعُ نفسَكَ بأنَّها لا تستحق كل هذا العناء



الحب.. وأشياء أخرى.

‏‎إنَّنا -فيما أظن- نقضي رِدحًا طويلًا من أعمارنا حائرينَ مُتسائلينَ عن ماهيّة القلب والوجدان، لم ولن نفهم أو نستوعب يومًا كيف للقلب أن ينقلبَ من حالٍ إلى حالٍ رأسًا على عقب، هكذا فقط في مجردِ لحظةٍ عابرة، يدنو مِنّا أحدهم ليُفارقنا آخر، ونحب ما كنا نبغض بالأمس لنكره ما ظننا أننا أدركنا حبه، حتى تنقضي حياتنا وتنتهي دونَ أن نجدَ إجابةً لتساؤلنا وحيرتنا أو أن نفهم قلوبَنا.

‏‎ما زلتُ أعجبُ من الحياةِ ومنطقِها المُعاكس؛ فأنت تركضُ خلفَ الأشياءِ لاهثًا فتهربُ منك، وما تكادُ تجلسُ وتقنعُ نفسَكَ بأنَّها لا تستحق كل هذا العناء، حتى تأتيك هي لاهثة! وعندها لا تدري أيجب أن تُديرَ لها ظهرك أم تفتحُ لها ذراعيك وتتلقى هذه الهبة التي رمتها السماء إليك، والتي قد تكون فيها سعادتك.. أو هلاكك!

‏‎عندما أخلو بنفسي، يمر أمام عينيّ شريطٌ مُثقلٌ بالذكريات، جلّها حزين لكن ربما تخللته بعض السعادة. أذكر كم مرة خذلني أحدهم، وكم مرة واجهت أمورًا جِسامًا وأنا وحيدٌ رغم الزحام من حولي، ثم أذكر كم مرة تداركني لطفُ الله وبسطَ الله يديه لي بالراحة. لا بأس حينئذٍ بقليل من الحزن والألم، فكلاهما ضريبة الحياة على أيّة حال، وليس بيدنا طاقة لمقاومة ما يجب علينا التضحية به من أنفسنا لقاء معرفة أشياء لا نلعمها، وإدراك ما ينبغي إدراكه.

‏‎حين أحاول إخضاع كل تلك الأمور للمنطق أشعر بالرثاء لنفسي، وأرحمها، فالحياة لا تحتمل كل ذلك التعقيد، فأمانُك النفسيّ أن تُسلّم أن الله يُقصينا من جهاتٍ، ليُعيد توجيهنا إلى أخرى تُناسبنا أكثر، وتتناغم مع أرواحنا. لا بأس عندئذٍ بقليلٍ من التجارب التي أصبحتُ مؤخرًا أكثر إيمانًا بجدواها، إذ أنها تضيف لنا أبعادًا أخرى للأمور ربما لو ظللنا نسعى وراءها أعوامًا مُفتشين بصفحات الكتب وتجارب الآخرين لَما أدركناها أبدًا، ولَما ترسّخت في أذهاننا بكل ذلك العُمق، فنحن لا نتعلمُ الحياة من الآخرين يا صديقي، بل نتعلمُها مِن خدوشِنا، ومِن كلِّ ما يبقى منَّا أرضًا بعد سقوطنا ونهوضنا مرة أخرى.

‏‎إنني اليوم على ثقة تامة أن الله لطيفٌ ودودٌ كريم، يُخبئ لنا الأيام الجميلة لنعيشها حين تكون الحياة أشدّ ما تكون في قسوتها، وأصبحت أؤمن أن كل حالٍ يزول، وكل شيء قابل للتغيير ما دُمنا على قيد الحياة.

‏‎باستطاعتي الآن أن أعيش متصالحًا مع نفسي متحملًا مساوئها ومُمتنًا لها، أن أرى الأمور بعين النضج التي كنت أفتقد إليها، ثم إنني أدركت حقيقة الحقائق:

‏‎البداية دومًا هنا .. في قلبك.