“من حكم الصوم”

فالغاية العظمى من الصوم هي تعويد الإنسان على التخلي عمّا يألف، وتدريبه على ان كل حالٍ يزول..



شهر رمضان شهرٌ عظيم، جمع الله فيه من صُنوف الخيرات وأنواع المكرمات ما لم يجمعه لشهرٍ غيره، وقد كان العرب يقولون: “إن كثرة الأسماء تدل على شرفِ المُسمى”، وقد حاز شهر رمضان الشرف كله من جوانبه؛ فهو شهرٌ جعل الله صيام نهاره أحد أركان الاسلام، وندبَ الناس إلى قيام ليله، وهو شهر القرآن، وشهر الصبر، وشهر الجود، وشهر المواساة، وشهرٌ يُزاد فيه رزق المؤمن؛ فهو مدرسة جامعة لكل تلك المكرمات.

ولست هنا بصدد الحديث عن آداب الصوم ودروسه وعبره، بل أريد أن أذهب بالقاريء بعيدًا نحو حكمة الصوم أو لنكن أكثر دقة “علّة” الصوم. أعلم تمام العلم أن الله فرض علينا صيام نهار رمضان، من طلوع الفجر إلى غروب الشمس؛ فامتثلنا وصُمنا، ثم لما شرعتُ في القراءة عن حكمة الصوم قرأت كما قرأ الجميع أن الصوم قد فُرض لكي يحسّ الغني بالفقير، فيشاركه مشاعر الجوع والعطش، وينشأ من جرّاء ذلك عاطفة نبيلة تشد من آصرة الأخوة بين الناس. هذا تعليل جميل لكنه لم يُرضِ عقلي؛فإن كان الغني يصوم إحساسًا منه بالفقير، فلماذا يصوم الفقير؟!

وبين هذا وذاك وجدت ضالتي عند الحكيم الترمذي ( سنة ٣٢٠ هـ) في كتابه “إثبات العلل”، حيث يرى أن حكمة الصوم وعلته هي “كسر العادة”؛ فالنفس معتادة على الطعام والشراب طوال اليوم وفي أي وقت، والصوم هو “الكفّ” عن عادة تعتادها، وليس الأمر في ترك الطعام والشراب، فالصائم سيأكل ويشرب في النهاية، وإنما هي “كفّ وتغيير” لعادة الطعام والشراب، وإجبار الانسان على ترك الطعام والشراب في وقت معين، وممارسة الفعل في وقت معين أيضًا.

فالغاية العظمى من الصوم هي تعويد الإنسان على التخلي عمّا يألف، وتدريبه على ان كل حالٍ يزول، وليس الامر مقتصرًا على الطعام والشراب فحسب، فالمفهوم عند الترمذي اوسع وأرحب، فأنت مُلزمٌ أن تُعود نفسك على التخلي عن خبيث القول والفعل، وأن تسمو بروحك بعيدًا عن مدارك الطين، ولعل هذا قول النبي عليه الصلاة والسلام: “مَن لم يدَع قول الزور والعمل به، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه”.

نحمد الله أن أحيانا وأبقانا حتى بلغنا شهر رمضان، ونسأله أن يعيننا على القيام بحقه حتى نتمّه ونستكمله، وأن يتقبل منّا صيامنا وقيامنا وصالح أعمالنا، وأن يكتبنا عنده من السعداء، فالشقي مَن حُرِم فيه من رحمة الله، فأروا الله من أنفسكم خيرًا.