فصبرٌ جميل

الرزق والابتلاء وجهان لعملة واحدة، وهما من أسرار الله، يُوسّع رزق من يشاء ويبتلي من يشاء بما يشاء..



فزعتُ مسرعةً إلى صديقتي العزيزة -ما أن وصلني اتصالها- لتخبرني بطلاقها المفاجئ، طرقت بابها وكل الأفكار والأسباب وكلام تطييب الخواطر الذي أحفظه عن ظهر قلب في بالي أُرتبه جيدًا لأبدأ في مواساتها، ولكن ما إن فتحت بابها ورأيت دموعها وتساقطها مع كل دمعة تسقط، حتى طارت كل أفكار المواساة من عقلي، ولم يسعني إلا أن أحضنها بشدة ولكنها صرخت وسألتني: “لقد استخرت تسع مرات على تلك الزيجة .. لماذا تنتهي إذًا! كل تلك الصلوات لا قيمة لها أبدًا”، استجمعت أنفاسي وأجلستها سائلة إياها: “على ماذا استخرتِ؟ على الخير في هذا الزواج أم على الزواج نفسه؟”، لم تفهم حتى أعدتُ عليها السؤال الذي ألهاها التفكير فيه قليلًا عن بكائها، فأجابت ناحبة: “بل استخرتُ على الخير فيه”، فلاحقتها بسؤال آخر: “وماذا كان الخير في زواجك؟”، فبدأت تعُد الكثير من الخبرات واللحظات السعيدة والتغييرات التي طرأت عليها وما تعلمته وما أنجزته، ثم صمتت قليلًا وقالت: “كان يجب على تلك الزيجة أن تنتهي عند هذا الحد؛ وإلا كانت لتبدأ بجلب كل الشرور إذا استمرت”، فابتسمتُ قائلة: “الآن أنتِ تمرين بفترة اِبتلاء شديدة بإذن الله ستتجاوزينها ولكن لا تفقدي أبدًا الإيمان بصلواتك فهي ببساطة ملاككِ الحارس”.

إذا حاولنا فَهم حكمة الله في الرزق والابتلاء سنُبلي أعمارنا فيما لا يفيد، ولن نصل أبدًا لحكمته الإلهية، ولعلَّ ذلك المنطق كان رزق سيدنا يعقوب من الدنيا، والسبب الرئيسي في كونه نبيًا؛ فلطالما تعجبتُ من رد فعل سيدنا يعقوب من أبنائه حين أخبروه أنهم ألقوا اِبنه الأعز في البئر، كان واثقًا تمام الثقة من كذبهم بالإضافة إلى كونه نبيًا مستجاب الدعوة، حين سمع بخبر احتمالية وفاة ابنه يوسف رد “فَصَبْرٌ جَمِيلٌ”، لماذا وصفت الصبر بالجميل يا يعقوب! لماذا لم تقل فصبرٌ معين!، أو فصبرٌ طويل!، والسؤال الثاني: لماذا لم تطلب من الله أن يردَّ إليك ابنك وأنت مستجاب الدعوة؟ لماذا اتخذت من الصبر سلاحك ولم تتخذ من استجابة الدعوة سبيلًا لإسعادك؟!

كان نبينا يعقوب يتيقن بقلبه الروحاني تمام اليقين أن ما يختاره الله هو الخير، وأن رؤيته مهما كانت رؤية بشرية لن تفيده، نبينا يعقوب وصف صبره بالجمال؛ لأنه صبرٌ أساسه الثقة وإن صَعُبَ، ونهايته الرضا وإن طال، ومكنونه الجبر وإن خفيَ، فبعد أكثر من تسعين عامًا وسجن ابنه الحبيب ظلمًا، رُزقَ يعقوب بابنه عزيزًا على عرش مصر، ولم يتوقف عطاء ربه على هذا؛ بل نزَّل الوحي على أبنائِه الإثني عشر ليصيروا أنبياءً بعد كذبهم وعصيانهم، ما أجمل صبرك يا يعقوب وما أعظم ثقتك بالله!

«فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَن يُرْهِقهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا»، ألم يعلم الله أن والديّ الغلام مؤمنان قبل أن يرزقهما بغلام طاغٍ وكافر ليحرمهما منه وهو صغير؟ فعلى عكس الوالدين اللذين أُبتليا بفقد ابنهما، فنحن نعلم حكمة الله من قتل الغلام، أما هما فلم يواجها غير ابتلاء فقد الابن الأصعب على الإطلاق، ليتجلى السؤال البشري (لماذا؟)، تجيبنا السيرة أن الله رزقهما بفتاة بعد هذا الغلام، فلعل فقد غلامهم كان السبيل لحب فتاتهم التي كانت لتتلقى منهم تربية مختلفة، اختلفت بتجربتهم الأولى مع الغلام لتصير فتاة صالحة، معللةً فترة معيشة هذا الغلام مع أبويه كدرس يتعلمان فيه الصواب من أسس التربية، ولعلَّ ببساطة أن الله قد اختار الغلام لنفسه في دنيانا الفانية؛ ليرزقهما إياه في جنته الخالدة، فكان أخذ الولد وإن ظهر ابتلاءً، فإنه يكمن بداخله رزق؛ وهنا الصبر الجميل يُعين وبشدة على تخطي هذا الوقت الحزين، رحمك الله نبينا يعقوب.

تشير السيرة إلى وقوف السيدة مريم العذراء وقت تعذيب شبيه وحيدها عيسى، وأنها كانت على مقربة منه كما كانت على مرأى من رفع ابنها، وقال البعض أنها أشارت له إشارة مودع، لتترك لنا قصة نتعجب منها طيلة أعمارنا؛ لم يكتب الله على السيدة مريم من رزق الدنيا شيئًا؛ لم يرزقها بالمال أو الرجل الصالح أو العمر المديد أو حتى الأسرة الداعمة، لم تأخذ من الدنيا رزقًا غير وليدها الذي وُلد منها وحدها، يحمل دماءها هي فقط ويُنادَى باسمها (عيسى ابن مريم)، كيف توجد بشرية على سطح الأرض لم تستفد من بشريتها ورزقها الدنيوي بشيء؟ لم يتركنا الكتاب في حيرة مطولة فجاء الرد على سؤالنا «وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا * فَاتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا»، حاشا لله أن يظلم أحدًا من خلقه في الرزق ولكنه استجاب لصلوات السيدة مريم التي تبوَّأت من كل البشرية مكانًا خاصًا بها ووهبت روحها بكل صدق وإخلاص لله، ليخبرها الله أن مكانها ورزقها لم ولن يكن بدنيانا بل هو في آخرته لتكون أمًا لعيسى وسيدة نساء العالمين.

هل من العدالة الإلهية أن يبتلي الله أحدهم بضعف ما ويرزق آخرًا بقوة؟ على سبيل المثال هل من العدل أن يولد أحدهم لأبوين أغنياء فيسعد؛ بينما يولد أحدهم لأبوين فقيرين فيشقى؟ للإجابة على هذا السؤال دعونا نتمعَّن في قوله تعالى «إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي»، اِختيار الله تعالى لقول مبتليكم مع نهر إعجاز حقيقي؛ فكيف يكون الماء ابتلاءً وليس رزقًا ونحن مخلوقون منه! جاء النهر ابتلاءً لأن في القرب منه اِبتعاد عن أوامر الله؛ وعلى هذا الأساس فنحن بنظرتنا الدنيوية لا نستطيع أبدًا التفرقة بين الرزق والابتلاء إلا على أساس البعد أو القرب من الله تعالى، فإن كان الأمر من مال وزوجة وعمل فيه قرب من الله كان رزقًا؛ أمَّا إن كان فيه بُعد عن الله كان ابتلاءً، فمثلما يوجد ابتلاء المنع يوجد ابتلاء العطاء.

الرزق والابتلاء وجهان لعملة واحدة، وهما من أسرار الله، يُوسّع رزق من يشاء ويبتلي من يشاء بما يشاء، وإيماننا يكمن في الاستسلام التام لله والتسليم بخير أرزاقه وخير ابتلائه، ويقف الإيمان متأسسًا على الصبر الجميل.