“‏لا تسمح لنفسك بالغرق وأنت لست بالمياه”

قد لا يكون التمسك بالذكريات أمرًا جيدًا؛ فربما بعض مما تتذكره يجعلك تمقت مدينة‏ أو تاريخًا. وقد يؤدي ذلك بالنهاية إلى أن تولِّد هذه الطاقة السلبية فيك شعورًا أنك تستحق حياة أفضل ..



لا عليك يا صديقي، فكل الأمور في بدايتها تبدو هينة وكأن المُقبل ليس بطريق شاق تعبر به الكباري والجسور. لا عليك يا صديقي فلست وحدك من يظن أن بلاءه سرمدي، لا عليك، فهذا  كله سيمر، وهذه فترة مؤقتة ستنساها عاجلًا أم آجلًا.
لا يهم كيف تتجاوز الأمر فقد لا تتجاوزه بالمرة، قد تتناساه ويعبر إليك متطفلًا هذه الأيام؛ ليُذكرّك بوحدتك، فرياح الخماسين تأخذ نصيبها من البشر قبل الشجر أيضًا. لا أمزح معك عندما أُخبرك أن الحديث يُهوّن الألم، لكن أحيانًا يُريح وأحيانًا يُزيد من الطين بلّة، وذلك حين يبدأ عقلك بفلسفة الأمور وترتيب الأحداث ويأخذ بالتنظير والعقاب، أما العتاب فهو قضية يطول شرحها؛ قابلني بالمشفى، وإن تحمّلك أحدهم، أخبرني لعلّي أجد لي خليلًا يُشبهني.

فأحيانًا يا عزيزي، قد لا يكون التمسك بالذكريات أمرًا جيدًا؛ فربما بعض مما تتذكره يجعلك تمقت مدينة‏ أو تاريخًا أو عصرًا تمنيت أن تكون فيه مع شخص ما بحياة أخرى. ‏أو ربما يجعلك تكره حارة أو حتى مشروبًا، بل وقد تشمئز من مطعم كنت تُفضله يومًا ما. ‏وقد يؤدي ذلك بالنهاية إلى أن تولِّد هذه الطاقة السلبية فيك شعورًا أنك تستحق حياة أفضل، وأحيانًا تقف في المنتصف، دومًا في المنتصف ولا تتذكر جيدًا  أو ربما تتناسى الأمر لأنك لا تريد أن تُعيد على ذهنك أخطاء أو عقبات الماضي. ‏و قد يتطرّق الخيال في أحيان كثيرة لآفاق بعيدة، بعيدة جدًا، فيصنع أوهامًا، ويجدل ضفائرًا، وقد يؤلف سيمفونيات تقشعرّ لها الأبدان.

ولا شك أنك خبير في مضاعفة آلامك. ‏فكم من يوم سيء مرَّ عليك وقمت بكسر طبق أو كوب زجاجي بغير قصد، لكنك شعرت بلذة غريبة، ربما لأن هناك أشياءً عندما تنكسر لا تستعيد طبيعتها، وكذلك أنت، أليس هذا تشبيهًا قاسيًا!
فأنت ما زلت في مقتبل العمر‏، وإذا  مرت عليك الذكري تجلس بجوار النافذة حتى يلسعك البرد ثم تغلقها لأنك تريد الدفء، وقد يُشعرك هذا بعظمة، لأنك أنت من تقسو على حالك وأنت أيضًا من يُعالجها، تشبيه آخر سيء ..
أنت لا تعيش في العالم وحيدًا، كما أنك لست ذكي بالشكل الكافي للتحكم بمشاعرك‏، فهل تشغل الأغاني الكئيبة وتغني معها بصوت عال؟ ‏أودُّ أن تخبرني بأنك تقوم بذلك، ولكني أثق أنك كاذب، فأمثالك لا يطيقون أن يسمعوا قصصًا تشبه حالتهم، أعتقد أنك تُفضّل الهدوء أو ربما الصخب؛ لتهرب وتثبت لحالك أن هذا العالم البغيض لا يعني لك شيئًا. ‏ولكن خيالك قد تمكَّن منك وأوقعك في أسر الذكريات، وأنت ترفض الاعتراف، ولذلك تعجز عن الخروج . ‏ودومًا ما تسأل نفسك، هل تستحق ما يحدث؟، أم أن هذا مجرد اختبار؟، ألا تود المثابرة؟، أم تُفضل رفع الراية البيضاء؟، فأمثالك يا عزيزي يكون الألم بالنسبة لهم برهانًا واضحًا أن هناك شيئًا ما ينبض بصدرهم، فالألم لك كالحياة، فتصبح كائنًا غامضًا سلبيًا، وينطفئ لهبك بسبب كسر بسيط.

وبالنهاية أودُّ أن أخبرك شيئًا بسيطًا، ربما أنت بحاجة إلى بعض اللكمات من الأصدقاء حتى يزرّق وجهك، أو كوب من الماء البارد من أمك حتى تستيقظ وتستفيق في الصباح. ‏أيًا كانت وسيلتك لليقظة، لا تسمح لنفسك أبدًا  بالغرق وأنت لست بالمياه.