ما بين نوتردام وسوريا، هل نوزع تعاطفنا بشكل صحيح؟

لماذا تعاطف الجميع مع كنيسة قد احتُرقَت أو لاعبٍ واحدٍ مات، ولم يتعاطفوا مع الآلاف مثله الذين يموتون يوميًا في حروب ومجاعات سوريا وفلسطين؟، بأي شيء استحق هؤلاء تعاطفًا أكبر من أولئك؟.



بين كنيسة نوتردام وأطفال سوريا، هل نوزع تعاطفنا بشكل صحيح؟

قبل أيام، اشتعلت النيران في كنيسة نوتردام بالعاصمة الفرنسية باريس، وكانت النار قد اندلعت في سطح الكنيسة نتيجة أحد الإطارات الخشبية، واستمر ذلك نحو ٨ ساعات قبل أن يتم إخمادها بواسطة رجال الإطفاء وإنقاذ الجدران الخارجية من الانهيار، ومن حينها عاشت فرنسا حالة من الصدمة والحزن بسبب ذلك الحادث.

المثير في الأمر هو رد الفعل العالمي على ذلك الحادث، خرج العالم بأكمله يُبدي حزنه وأسفه، وأبدى الكثيرون تعاطفهم ودعمهم، وفوق ذلك انطلقت حملة تبرعات ضخمة وصلت حتى هذه اللحظة نحو “١ بليون يورو” وفق آخر التقديرات لصحيفة “money”، وهو ما يعد رقمًا مهولًا لم نسمع به من قبل حين حدثت حوادث مشابهة في أماكن أخرى.

قبل ذلك، وفي الثاني والعشرين من يناير/ كانون الثاني تحديدًا، استقبل العالم خبر تحطم طائرة الأرجنتيني “إيميليانو سالا” وسقوطها أثناء عبورها لبحر المانش، انتشر الخبر في حينها انتشارًا واسعًا، واجترّ معه الكثير من التعاطف والتأثر، وكتب الكثيرون يرثون الفقيد، وخرجت الجموع تنعي وفاته وتحزن عليه، حتى من لم يكن يعرف اللاعب من الأصل ومن لم يعلموا بوجوده إلا بعد الحادث، الجميع شعر بالأسى والحزن لأجله.

ورغم أن الحدث كان يبدو حزينًا بالفعل وبدا مستحقًا للتعاطف والتأثر، إلّا أن ذلك أثار تساؤلًا واستنكارًا قديمً يتجدد في الكثير من الحوادث المماثلة، وهو: لماذا تعاطف الجميع مع لاعبٍ واحدٍ مات ولم يتعاطفوا مع الآلاف مثله يموتون يوميًا في حروب سوريا وفلسطين؟، أو مع أولئك الذين يموتون في مجاعات أفريقيا كل ساعة؟، بأي شيء استحق هو تعاطفًا أكبر من هؤلاء؟.

ويبدو السؤال منطقيًا للغاية وملموسًا كذلك في الكثير من المواقف، سالا ليس الأول ولن يكون الأخير، نحن تعاطفنا مع أطفال الكهف في تايلند تعاطفًا شديدًا لا نبدي مثله عادةً حيال أطفال المجاعات في أفريقيا على سبيل المثال، نحن تعاطفنا مع “سون” اللاعب الكوري الجنوبي الذي كان مهددًا بالتجنيد، رغم أن الملايين حول العالم يعانون من التجنيد الإجباري وربما تحطمت أحلام الكثيرين على عتبته، وقد يكون منهم من استحق التعاطف أكثر من سون.

يبدو اللجوء لنظرية المؤامرة هنا خيارًا مُريحًا، الإنسان الأبيض يجيد توجيه التعاطف ناحيته دائمًا، ولديهم قدرة غريبة على اجترار تعاطف الجميع على أي حدث حتى لو لم يكن يستحق، الجميع يعلم ما فعله الإعلام الأمريكي إبان حرب فيتنام، هم بارعون فى ذلك بلا شك، وإن أضفت لذلك أن فيسبوك حاليًا هى منصة التواصل الأولى في العالم، ومع تزايد توغلها وتحكمها في حياتنا لن يكون من الصعوبة لهم أن يوجهوا تعاطفنا حيث شاءوا.

ورغم أنه قد يكون بالأمر مؤامرة فعلًا، وفيسبوك تفعل ذلك بالفعل وتوجه تعاطفنا بشكل ما، لكننا مع ذلك مازلنا نمتلك القرار، ونتعاطف مع أغلب الأحداث بإرادتنا الكاملة، ومازلنا قادرين على الاختيار بحرية، فماذا إذًا قد يجعلنا نتعاطف مع سالا أكثر من أطفال سوريا على سبيل المثال؟

-مبدأ الندرة.

أحد أبرز الإجابات على هذا السؤال هو ما يعرف ب”مبدأ الندرة”، ويعني مبدأ الندرة هنا أن الحدث الذي يحدث قليلًا تكون أهميته أكبر من الذي يحدث كثيرًا، حتى وإن كان الذي يحدث كثيرًا أكبر أو أهم؛ ما يعني أن حدثًا كموت سالا يكتسب أهميةً كبرى إذ ليس من المعتاد أن يموت لاعب كرة قدم كل يوم، لكن موت طفل في سوريا يحدث مئات المرات ما يجعلك تألفه ولم يعد الخبر يُمثّل لك شيئًا، سواء قصدت ذلك أم لا، لا يعني هذا بالطبع أن خبر وفاة فرد واحد في سوريا ليس مهمًا، لكن تلك عادة التكرار، يجعل الملل يتسرب لك دون أن تدري، حين تلقينا خبر وفاة أول رجل في سوريا تألمنا جميعًا وكذلك الذي تلاه، مع الوقت ازدادت الأعداد وازداد تعودك، حتى بات الأمر أقرب للروتين، ولم يعد غريبًا أن تصحو من نومك فتعرف أن عشرة رجال قد ماتوا في سوريا اليوم، بات القتلى مجرد أرقام ليس أكثر، وزيادة الرقم قد تعني نقص التعاطف لا كثرته.

يبدو هذا أمرًا خطيرًا بالطبع؛ فالإنسان هنا هو الإنسان هناك، وإزهاق روحه يظل حدثًا عظيم يستحق الأسى والحزن مهما حدث، سواء كان في سوريا أو فرنسا، هي روح إنسان على أية حال، لكن هذة هي الحقيقة؛ نحن نموت أكثر، لذلك تبدو قيمتنا أقل، وبينما ينقلب العالم لموت فرد واحد في أوروبا لا يحظى خبر وفاة الآلاف عندنا بأكثر من مساحته في شريط الأخبار، ليس أكثر من ذلك.

-رجلٌ واحد

الإجابة الثانية والتي أكدتها التجربة مرارًا، هي أننا لا نستطيع توزيع تعاطفنا على عدد كبير في آن واحد، بينما يمكننا بسهولة أن نوجهه إلى عنصرٍ واحد فقط، أضف إلى ذلك أن عامل التفاصيل مهم للغاية في هذة العملية، أنت عندما تسمع تسجيل سالا الذي أرسله قبل وفاته بلحظات وعندما ترى صورة كلبه الذي ينتظره، هذا يساعدك قطعًا في أن تتعاطف معه، بينما لا تتوفر تلك التفاصيل عندما نتحدث عن موت المئات في مكان ما.
هذة نقطة مهمة للغاية، وتُستخدَم في الكثير من الإعلانات لكسب تعاطفك وتبرعاتك غالبًا، أنت تتذكر الطفلة “صهيبة فاروق” التي قامت بإعلان مؤسسة مجدي يعقوب “أنا عايزة أعيش”، تعاطف الجميع معها وتلقت المؤسسة تبرعات هائلة في وقتها، أنت تعاطفت معها هي، مع كيانها وبراءتها أكثر من مرضها، ولو تم الاكتفاء بإخبارك أن هناك الآلاف من المرضى، غالبًا لم تكن لتتعاطف بنفس القدر.

-عقل القرد.

هناك إجابة ثالثة وهي قد باتت تحكم حياتنا بالكامل لا تعاطفنا وحده، نحن نعيش الآن في أزهى عصور التاريخ على مستوى وفرة المعلومات، القدر المتوفر لدينا من المعلومات باختلاف أشكالها قد وصل إلى حدودٍ لم يصلها من قبل، وتلك الوفرة لا تبدو جيدةً على طول الخط، إذ أن أبرز ما يواجهه الإنسان في مثل هذه الحالة، هي افتقاده للأدوات اللازمة للتعامل مع تلك المعلومات وفهمها، أدوات مثل الاهتمام والانتباه بدأت تقل بالتدريج مع كل هذا التدفق المعلوماتي المخيف.

في السابق وبينما كانت المعلومات قليلة مقارنة بالوقت المتاح، كان الإنسان يجد الفرصة للتفكير في المعلومات أو الأخبار وتكوين وجهة نظر حيال الأفكار والأحداث، لكن إنسان العصر الحالي لم يعد يمتلك الوقت لذلك، فأثناء تصفحه لمواقع التواصل، -وفي اللحظة التي قد يرى فيها خبر وفاة مجموعة من الناس في أحد البلدان، وقبل أن يتعاطف معهم أو يبحث في الموضوع ليعلم عنه أكثر-، يباغته خبر عن فريقه المفضل، ثم خبر عن فيلم جديد تم طرحه، ثم رسالة من صديقه، ثم خبر آخر، وهكذا دواليك، حتى يجد الإنسان نفسه يتجول بين هذا وذاك دون أن يشكل وجهة نظر حقيقية عن أي موضوع أو يأخذ وقتًا كافيًا لتحليل حدث ما، في ما يعرف ب “عقل القرد”.

-التريند يحكم.

لم يعد غريبًا اليوم أن تصحو لتكتشف أن “عادل شكل” صار مشهورًا، أو أن “كايا وصديقته” قد باتا ما يشغل الرأي العام المصري، وأنه قد صار لزامًا عليك أن تعرف من كايا ومن صديقته وماذا فعلوا، فقط لأنهم تصدروا التريند، والمشكلة أن التريند لا تحكمه قواعد الأهمية ولا يتحرك تبعًا لأحقية الأحداث بالتناول، لذلك قد يتحول ما لا يستحق فعلًا إلى تريند ويصير حديث الجميع رغم تفاهته، ويندثر ذكر الأكثر الأهمية، فقط لأن التريند لم يعبأ به.

والأزمة الكبرى أننا مهما ادعينا النضج والمعرفة فنحن أفراد في المجتمع، نتأثر بما يتأثر به وننخرط فيما ينخرط فيه أفراده، ونتحدث فيما يتحدث فيه الناس ولو بقدرٍ يسير -شئنا ذلك أم أبينا-، لذلك فتعاطفنا يبقى متأثرًا بالبقية، وقد نكون لا نوجهه بشكلٍ صحيحٍ فعلًا.

ومع ذلك، فإن تلك الأسباب وأخرى غيرها مما تفسر هذا الأمر، ليست مبررًا إطلاقًا لنتغافل عن القضايا الأهم لصالح أخرى أقل أهمية، ولا يجدر بنا مهما حدث أن ننسى قضايانا الأساسية التى تستحق اهتمامنا وتعاطفنا، وألّا ندع النسيان يغلفها لطول أمدها وطول انشغالنا عنها، حتى لا نرى أنفسنا قد انسلخنا منها يومًا بالكلية وتركنا أجيالًا قادمة لا تعلم أين قضاياها من الأساس، ولا أين يوجهون تعاطفهم واهتمامهم متى فعلوا.