“كـلاب الراعـــي”

في إحدى الليالي المظلمة الممطرة خلف نافذة محكمة تساءلت غنمة "لماذا لا تكون لنا الحرية في اللهو والمرح في كامل المرعى من دون منطقة محددة ؟



لم يتحرك من مكانه قيد أنملة وهو يشاهد كلابه منطلقة تجاه الثعالب لتنهش منها ما تطوله أنيابها فقد كانت -الثعالب- تحاول اصطياد إحدى غنماته الشاردة عن باقى القطيع .
وبعد عودتهم مع آخر ضوء للنهار قام بحلاقة فرو الغنمة الشاردة حتى تنتبه المرة القادمة وتكون عبرة لزميلاتها التي تحيد الطريق وتترنح بعيدًا عن القطيع.

في كل صباح يستيقظ الراعي ليجد كلابه مستعدة تنتظر طعامها الذي يكفيها حتى عودتهم من المرعى، ثم يذهب ليُخرج الغنمات من حظيرتها ويبدأ فى السير أمامهم حتى الوصول لمرعاهم، وتحيط بهم كلابه من كل الاتجاهات حتى لا تشرد إحداهن عن القطيع فينالها نصيبها من العذاب.

يقضون يومهم في المرعى بحثًا عن فُتات العشب ورشف بضع قطرات من المياه المتبقية من أمطار البارحة على اليابسة، ثم الجلوس في مكان جاف تحت إحدى الشجيرات، ثم العودة إلى الديار مرة أخرى.
فور وصول الكلاب إلى الحظيرة آخر النهار يحصلون على مكافأتهم اليومية، وتراقبهم الغنمات من بعيد وهم يلتهمون لحم الضأن اللذيذ لشاة مريضة أو هزيلة ماعادت تصلح للبيع أو تقدر على الحَلب.

في نهاية كل شهر يقوم الراعي بحلق فرو الغنمات ليبيعها ويستنفع بأثمانها, ثم يتركهم عرايا بدون أي وسيلة للتدفئة في طقس يكاد يقارب طقس سيبريا الذي يقل عن الصفر بمقدار ثلاثين درجة مئوية.

على حدود المرعى وخلف الجبال تقف الثعالب تفكر كيف تخلِّص الغنمات من براثن راعيها القاسي وتبحث في طريقة للتغلب على الكلاب التي تمنح حياتها فداء لصاحبها الذي يطعمها ألذ الطعام، والذي بدوره يحرص على رعايتها والاهتمام بها كأنها أبناؤه فقط ليحافظ على غنماته ويأمن الثعالب.

في إحدى الليالي المظلمة الممطرة خلف نافذة محكمة تساءلت غنمة “لماذا لا تكون لنا الحرية في اللهو والمرح في كامل المرعى من دون منطقة محددة ؟ ولماذا نأكل القليل ونشرب ما نجده -حتى لو كان ملوثًا- مبررين ذلك بأنه لا يوجد أفضل منه ؟ وأن ما نجده أفضل من أن نذبح لتأكلنا الكلاب الوفية؟”

تفكر في أن عدد الغنمات يفوق الكلاب بكثير ولكن تبقى الغلبة للشجاعة وهي تعلم جيدًا أن الكلاب ليست بشجاعة وإنما تنصاع دومًا لأوامر سيدها فقط، وإذا لم يُطعمها ويهتم بها فإنها ستتركه وتنقلب عليه.

فهمت الغنمة حينذاك أن الموقف يعتمد على الشجاعة فقط وإرادة التحرر، والذي يتطلّب توعية باقي الغنمات بالأفكار التي تجول في مخيلتها, ولكن هل ستتقبل الغنمات تلك الافكار أم ستقبع في بئر العبودية لراعيها إلى أبد الأبدين؟

استقيظت زميلتها لتجدها شريدة الذهن حائرة والأفكار تتكالب على رأسها فسألتها لماذا لم تنم حتى الآن؟ فأخبرتها الغنمة بما يدور في عقلها من أفكار، فردّت الثانية متكاسلة “هلّا أفرغتي عقلك من تلك الأفكار الثائرة وعدتى لنومك لنلحق بالمرعى في الصباح الباكر ؟”

حينها انصرفت تلك الغنمة إلى نومها وتيقنت أن تحررها سيظل متوقفًا على محاربة الجهل وإيقاظ الوعي والتخلص من روح الإستعباد المتأصلة في عقول باقي الغنمات والذي يستلزم إخفاء كل ما تفعله بعيدًا عن أعين كلاب الراعي والغنمات الفاسدة.