“استقلالية العشرين، وعِظَم القدر”

في المعتاد، قد تتلاقى الابتسامات، وأحيانًا قد تتلاقى القلوب المرتجفة، إلا أنه على غيرِ المعتادِ أن يتلاقى قلبان مرتجفان، وثغران باسمان.



“ثمة أمورٌ في حياتنا نسعى إليها، وثمة أخرى ننفر منها، وثمة أمورٌ ثالثةٌ تفرضها علينا الحياةُ فرضًا ثم لا تلبثُ إلا أن تُشكّل حياتنا وتُسيّر أمورنا”.

واستقلالية العشرين تلك قد فرضتها الحياة عليها، فشكّلت ذاتها وشخصيتها، حتى أصبحت جزءًا لا يتجزأ من كينونتها، فهناك تقيمُ وحيدةً حيثُ “لا أحد”، وكلمة سر وحيدة تكمن فيها.

يقعُ القدر على مدينةٍ صغيرةٍ في وسط الدلتا، بالكاد كانت تعرف اسمها، ولكن لا يهم سيسير كل شيءٍ على ما يُرام.

إنه سبتمبر منذُ ثلاثةِ أعوام، كانت تلملم أشياءها كطفلٍ صغيرٍ يلملم ألعابه انقضت فترة لـِعبهِ، وربما قد آن الأوان الآن لتفعل بها الحياةُ أفاعيلها، وتعطيها دروسًا بدلًا من تلك التي لا تتجاوزُ جدرانَ غرفتها أو سيارةَ والدها.

كانت تكره الوداع، وفراق الأصدقاء، وبرغم ذلك، دموعها المنسابة على وجنتيها كانت تُخفيها بابتعادها عن الجميع، وتجاهلها لهم، فربما قسوتها المصطنعة تلك تُثبت لها أن كلَ شيءٍ سيسير على ما يُرام.

ليلتها الأولى كانت الأسوأ، عليها أن تدبر كل شيء، عليها تنظيف غرفتها كما كانت تفعل والدتها، وتجهيز طعامها كما كانت تفعل والدتها، وتمشيط شعرها الذي طالما كانت تُذكّرها به أيضًا والدتها، لم يكن عليها بعد كل ذلك إلا أن تنزوي في إحدى الجوانب على سريرها تُتمتم ببعض آيات من القرآن لعلّها تخفف من وطأة حزنها وتُخرج شكواها من استقلالية جَبرية فُرضت عليها.

هل سيسير كل شيء على ما يُرام حقًا؟
قلبُها يرتجف، وابتسامتها لا تغيب، الآن هي لا تملك سواها لتبعث طمأنينةً بداخلها.
في المعتاد، قد تتلاقى الابتسامات، وأحيانًا قد تتلاقى القلوب المرتجفة، إلا أنه على غيرِ المعتادِ أن يتلاقى قلبان مرتجفان، وثغران باسمان، على غيرِ المعتاد أن يتلاقى شخصان لديهما نفس الظروف، ونفس المآسي، وربما نفس العينين الدامعتين الدالتين على جلل الأمر.
في نهاية الأمر، عرفت أنها تسكن في غرفةٍ مجاورةٍ لها، قد يلتقيان مرةً أخرى.

هناك أشياءٌ يجب أن تشاركها مع غيرها، ربما عليها أن تشاركها معها، أو أن تتجاذب معها أطراف الحديث، قلبها يخفق أثناء كلامها وأحاديثها، تسألها “هل أصبحنا صديقتين؟”.

العام هو العام الثاني لهما، يرتبان حقائبهما الآن لكن ليس كأطفال يتشاركان ويتفقدان كل شيء،
الأمرُ هذا العام أخفُ وطأةً من ذي قبل.

لازالت لا تجيدُ الطبخ، تنسى مواعيد طعامها، قد تتلعثم أحيانًا في حديثها مع الغرباء، لكنها لم تنسَ أن صوتًا داخليًا أخبرها أن كل شيء سيسير على ما يرام.

الآن مرت ثلاثةُ أعوام، تفقدت سريرها بعد يومٍ طويل، واستيقظتْ لتعدّ طعامها، وترتب غرفتها، متذكرةً ما حدث خلال يومها.

الآن أصبحت متحدثةً جيدة لا تخشى التعامل مع الغرباء، الآن تستقبل والديها بلا دموعٍ أو بكاءٍ، كلَّفها ذلك ثلاثة أعوامٍ، لكنها لم تنسَ أن الصوت بداخلها لطالما كان يقصد رفيقتها، وكل شيء سار على ما يُرام بوجودها.