هُنا الدم يچري على الأرضِ ماء

لقد سئمنا الدماء، وأنهكتنا جثث الضحايا، وكُسرت أعيننا أمام ذويهم، وخاب أمل كل مصاب، ولم نعد نقوى على السير معًا.



قبل أن أسترسل في الكتابة وتشرع أنت في القراءة، دعنا نتفق على شيء لا جدال عليه، ولا تتعدد فيه وجهات النظر.. أن كل من هو فوق تلك الأرض من ذرية بني آدم لديه كامل الحق في أن يستيقظ كل صباح على صوت أحدهم وهو يردد له “صباح الخير”.
ودعنا نتفق أن هذه الكلمات البسيطة حق ملموس وواقع يعاش بجميع بقاع الأرض عدا بقعتنا الحبيبة.

الخير على البقاع الأخرى له معنى وحيد وواضح.. أن تُرزق كل جميل من مأكل ومشرب وملبس ومشاعر ومال وجنات حين تدخلها تهلل مرددا “ما شاء الله, لا قوة الا بالله”. أما الخير على أراضينا فهو مترسخ الأصل، وثابت المعنى منذ نشأتنا، ونستطيع أن نعرفه جميعًا في صوت واحد بأنه يتمثل في أن يصرف الله عنك شرور هذا الوطن فقط.

ونحن قوم نشأنا على أن نحمد الله في السراء والضراء, مرددين “الحمد لله الذي لا يحمد على مكره سواه”, ونزيد الأمر إيمانًا وتثبيتًا فنقول “لله ما أعطى و ولله ما أخذ, وكل شيء عنده بمقدار, وإنا لله وإنا إليه راجعون”.

لقد جاءت يناير المجيدة ونحن ذوي خمسة عشر عامًا, وكانت بداية لمعرفة السياسة اصطلاحًا وتفصيلا، وإدراكًا بأن هناك رئيس مدني يأتي بالاقتراع، وفرصة حصوله على الكرسي –من المفترض- أن يتقاسمها مع عدد المرشحين المحتملين معه، وله الأحقية في أن يمكث فوق عرشه لثمان سنوات فقط قابلة للاقتصاص من منتصفها.

إن يناير زرعت بداخلنا روح الحرية والكرامة والعدل، جعلتنا ننضج و ندرك، ونكون الأكثر وعيًا في الأجيال المتواجدة هنا الآن والسابقة لعهدنا أيضا، وأننا لن نقبل بأن نكون قطع شطرنج متراصة في أماكنها وننتظر أن يقفز حصانهم ليأكل عسكرنا ويخبرنا.. كش ملك –بهذه البساطة-.

على الجميع أن يدرك أن الصراع أصبح -منذ ثمان سنوات مضت- صراع فكري من الطراز الفريد، وأن سياسات التشويه والتضليل والتكذيب لم تعد تجدي نفعًا، والحقيقة لم يعد يمكن إخفائها أو تدليسها، ومن يظن ذلك الأمر فهو موهوم يا ولداه وعليه أن يدرك حقيقته قبل فوات الأوان، ويجب أن يتيقنوا أن جميع المراوغات المفتعلة لم ولن تجدي نفعًا في إلهائنا عن لب الأمور.

لقد سئمنا الدماء، وأنهكتنا جثث الضحايا، وكُسرت أعيننا أمام ذويهم، وخاب أمل كل مصاب، ولم نعد نقوى على السير معًا.

ثمانون ألف للضحايا وخمس وعشرون للمصابين! مصحوبتان بخالص الحزن والأسى؟ تلك هي الصفقة؟!
الأمر مضحك لدرجة بكاء مصحوب في نهايته بغصة قلب تجعل الضحك صراخا, فدعني أبرم صفقة أفضل.
سأعطيك مليونًا على كل مصاب مقابل أن ترد إليه بصره الذي أعتم، أو ساقه التي بترت، أو ملامح وجهه المشوهة. وستعطيك أم شهيد مليارًا لتعيد فلذة كبدها لأحضانها مرة أخرى.
فما قولكم يا أصحاب الرفعة والعظمة؟

لا نستطيع أن ننكر أن المال إحدى ملاذ الحياة ونعمها الكبرى، وأنه في أحوال كثيرة يكون خير دواء للعديد من الجراح، ولكنها بالتأكيد ليست تلك الجراح، وأن مبدأ التعويض المادي هنا لهو شيء عبثي للغاية.

أنتم تبنون المسجد الأكبر في الشرق الأوسط بمدينة هي الأضخم لكي نصلي بداخله على أرواح ضحايانا المتساقطة يوم تلو الآخر!
ونحن نقف مكتوفي الأيدي وقت كل حدث وأمام كل شاشة، وكل ما يمكننا فعله هو النظر وانتظار المشهد القادم.
وعلى الرصيف الآخر يقف أحدهم مناديًا بأنها زوبعة فنجان، وأن هذا الوقت سيمضي وأن جراح الوطن ستشفى وتحيا مصر!

أي حياة تلك التي ستحياها مصر؟ وكيف ستحياها بدون من هم كانوا أحق بالحياة منا جميعًا –ولا نزكي على الله أحدًا-؟
تلك الأرض التي تطؤها أقدامنا مشبعة بالدماء، فلن تحيا مصركم إلى أن يجف الدم في عروقها.
ولن تحيا مصرنا إلى أن يعود الوطن لأرواحنا مرة أخرى.