بين المنفعة والمبادئ: صلاح وتريكة وآخرون.

هناك صحيح وخاطئ؟ نعم، لكن معرفة حدود هذا وذاك هي قضيتك الأساسية، أن تحافظ على مبادئك هذا أمر عظيم.



قبل أن نبدأ؛ حاول أن تتخيل معي ما يلي: أنت تعمل كطبيب فى إحدى المستشفيات؛ في يومٍ ما يدخل عليك أربعة شباب جميعهم في حالة خطرة، تتفحص الحالات فتكتشف أنه يلزم كل واحد منهم نقل عضو واحد على أقل تقدير، لو لم يُنقل سيموت لا محالة، ولن تجدي أي محاولة معه نفعًا.

فى غرفةٍ أخرى عندك وبلا مرض واضح، يرقد شخص ما، لا تعرفه أنت، هو فقط يتردد عليك كل فترة لأجل جلسة تنفس أو غيرها، المهم أنه لا مرض أتى به، هناك فكرة قد تبدو غريبة نوعًا ما لكنها تستحق التفكير، ما رأيك فى أن نقتل هذا الشاب؟! ، هي حقنة بسيطة فحسب لن يشعر بها غالبًا، ستنقله إلى عالم الأموات خلال لحظات، وحينها يُمكن أن نأخذ لكل شخص من الأربعة ما يحتاجه من أعضاء، ويعيشون جميعًا، الفكرة غريبة نوعًا ما لكنها لطيفة، شخص واحد يموت ويعيش أربعة، تلك حِسبة مضمونة بلا شك، ما رأيك؟.

أنا أعرف أنك رجل عظيم لا تتخلى عن مبادئك أبدًا، ولن تقتل أحدًا بلا ذنب مهما حدث، لكن الأمر كما ترى، قتل واحد كفيل بإحياء أربعة غيره، ماذا ستفعل؟، هل تقتله؟.

لا أعلم اختيارك بالطبع، لكن لو كان اختيارك نعم، ففكر مرة أخرى في حال كان هذا الشاب هو صديقك المُقرب، ولو كانت إجابتك لا، فماذا لو كان الشاب شخصًا تكرهه؟، مشجعًا للغريم مثلًا، ماذا لو كان أحد الأربعة شخصًا موهوبًا ذا مكانة عالية، لو كان ليونيل ميسي هو أحدهم، وكان الشاب شخصًا فقيرًا معدومًا وبلا أي موهبة تُذكر؛ هل تتغير إجابتك؟!، هل يصمد مبدأك حينها؟! لا أعلم، ولكن المهم أن اختيارك النظري هنا ليس ذا قيمة كما تعتقد للأسف، لأنه عادة لا تتوافق المواقف الفعلية مع الآراء والاتجاهات النظرية بشكل كبير، تبقى الاختيارات النظرية مفيدة للتفاخر والتنظير ليس أكثر، لكنها غالبًا لن تكون اختيارك الفعلي لو تعرضت لاختبار حقيقي صريح.

والأزمة الأكبر من ذلك أن الحياة لا تعطيك تلك الأسئلة الواضحة الصريحة مهما حدث، ولا تقبل أسئلتها لإجاباتٍ محددةٍ واضحةٍ كذلك، لكنها تُبقيك في منطقة رمادية، هناك صحيح وخاطئ؟ نعم، لكن معرفة حدود هذا وذاك هي قضيتك الأساسية، أن تحافظ على مبادئك هذا أمر عظيم.

المبادئ؟ المبادئ كلمة عظيمة فعلًا، لا تمتلك تعريفًا واضحًا معلومًا، ولا معيارًا للحكم عليها -وهذا من أسباب عظمتها بالطبع-، هي تُعطيك شعورًا دائمًا بأنك تتحدث عن شيءٍ عظيم، شعورًا واهيًا بأنك تمتلك موقفًا بطوليًا، ما عليك سوى أن تُخبر الجميع عند أي موقف أنك لن تفعل هذا احترامًا للمبادئ، سيحترمك الجميع حينها وسيُقدّرون احترامك للمبادئ، ولا مشكلة لو اضطررت لارتكاب نفس الفِعلة يومًا، اخرج حينها كذلك وقل أنك فعلتها احترامًا لمبادئك ، لا مشكلة، لا أحد سيتذكر ما قلت، ولا أحد يعلم تلك المبادئ ليرى أي الفعلتين توافق، هذا هو المهم، ولو كنت مشهورًا فأنت حتمًا ستجد من يدافع عنك ومن يخرج ليتحدث عن مدى احترامك للمبادئ في المرتين.

ومع ذلك، فإن ثمة مواقف واضحة يُمكنك اختبار مبادئك فيها بسهولة، أنت لن ترتكب جريمة لتأخذ حقًا ليس لك، لن تقتل أحدًا بلا ذنب، لن تسرق، لن تكذب، لن تغش؛ من السهل أن تجد نفسك أمام أحد تلك الاختبارات، وستجد نفسك دائمًا حائرًا في ذلك الاختيار الأزلي؛ المنفعة أم المبادئ؟.

ليس الاختيار سهلًا كما تعتقد، لو كنت في مكان مارادونا في ١٩٨٦، وأمامك الاختيار: إمّا أن تحترم مبادئك وتقرر ألّا تسرق الفوز، وإمّا أن تتذكر الملايين في الأرجنتين ينتظرون تلك الفرحة، أن تصير بطلًا قوميًا، وأن يرفعك الجميع على الأعناق، أن تفوز بكأس العالم، وأن تكون دييجو أرماندو مارادونا، غالبًا كنت ستفعل مثله، أليس كذلك؟

وفي مجال ككرة القدم تتوفر تلك الاختبارات بكثرة، في العديد من المواقف يمكنك أن تتبين بسهولة أي الاختيارين توافق، يمكنك بسهولة أن تدرك ماذا اختار راموس في نهائي الأبطال الأخير ضد ليڤربول، يومها كان الاختيار أمام راموس واضحًا؛ إمّا المنفعة التي تقتضي أن يُؤذى نجم المنافس ويزيد فرصة فوز فريقه، وبين المبادئ التي تخبره أنه لا يمكن أن تُصيب أحدًا بلا ذنب، راموس كان عليه الاختيار وهو في الغالب لم يجد في ذلك صعوبة؛ اختيار راموس يبقى صريحًا في كل مرة، هو على أتم استعداد لفعل أي شيء وكل شيء ما دام في مصلحته.

وليس راموس هو الشيطان الوحيد بين الملائكة بالطبع؛ فالكثيرون غيره يفعلون مثله حتى وإن اختلفت الطريقة والأسلوب، لكنه نفس الموقف تقريبًا، بل يمكنك تطبيق ذلك الموقف على فخر العرب شخصيًا، وذلك في كل مرة كان يقرر فيها الغطس لأجل ضربة جزاء، حدث ذلك أكثر من مرة هذا الموسم فقط آخرها كان أمام أرسنال في الجولة ١٩ من الدوري الإنجليزي، وكان قد سبقها الكثير من تلك اللقطات المماثلة، تخلى حينها فخر العرب عن أخلاقه المعهودة لأجل الحصول على المنفعة.

ويمكننا سرد مئات المواقف الشبيهة بذلك، موقف لوبتيجي مع الاتحاد الإسباني قبل كأس العالم ورد فعل الاتحاد، عنصرية الجماهير على لاعب ما لإخراجه عن تركيزه، أي حارس يدّعي أنه مصاب لأجل إضاعة الوقت، أزارو في نهائي أفريقيا الأخير، كل هذة المواقف ومئات غيرها يمكنك أن تطبق الأمر عليها بكل سهولة.

ويشترك في ذلك أغلب عناصر اللعبة تقريبًا، مدربين ولاعبين وحكام وإداريين، والأمر لا علاقة له ببلدٍ أو دينٍ معينين، بل إننا نكاد نجزم أنه ليس هناك لاعب على وجه الأرض لم يحاول خداع الحكم في لقطة ما ليحصل على حقٍ ليس له؛ ومن لم يفعل فهذا لأنه لم تُتح له الفرصة ليس أكثر، حتى من ادعى الفضيلة يومًا أو من اعتبرهم الجمهور رموزًا لتلك المبادئ والقيم، قد آلَم أغلبهم بشظ ولو قليل، عن طريق ذلك الخداع.

الغريب أنه غالبًا لا يُسمّى ذلك الخداع والغش بنفس الاسم حينها، فالغطس في منطقة الجزاء للحصول على ركلة جزاء مشبوهة مثلًا، لا يكون غشًا على طول الخط، فهو قد يصير ذكاءً وحنكة أحيانًا، وقد يكون مهارةً خالصةً لا يشوبها شيء أحياناً أخرى، حتى لو اعترف فاعلها نفسه بأنه كان غشاشًا مخادعًا فعلًا.

ولعل أبرز الأمثلة على ذلك هو النجم المصري المعتزل محمد أبو تريكة والذي أكد أكثر من مرة في لقاءاته التلفزيونية أن من يفعل ذلك فهو غشاش مخادع بلا شك، واعترف أنه فعل ذلك أكثر من مرة، لكنه يعلم أنه مخطئ ويندم لذلك أشد الندم.

والفارق بين تريكة وراموس على سبيل المثال، أن راموس لا يرى نفسه مخطئًا من الأصل، ولا يُمانع إطلاقاً من تكرار الأمر كلما سنحت له الفرصة، بل وسيخرج بعدها ليتهم الآخرين في ثقةٍ وتحدٍ بالغين.

ولا يعني ذلك بالطبع أن من يفعل ذلك يصير فاسدًا معدوم الأخلاق، لأننا في النهاية بشر ولسنا ملائكة، ولا يعيبنا إطلاقًا أن نعترف بضعفنا البشري وبأن شهوتنا للمكسب أكبر من التزامنا بالقيم والأخلاق، لكن ما يعيبنا فعلًا هو أن نسمي الأشياء بغير مُسمياتها، أو أن نبرر هذه الأفعال بأي مبررٍ واهٍ.

والعيب الأكبر والذي يمسنا بشكل أكبر كمشجعين للعبة فحسب، هو خوضنا لحروبٍ لا ناقة لنا فيها ولا جمل لأجل الدفاع عن مواقف غيرنا الأخلاقية، وقد نضطر في سبيل ذلك للتخلي عن قيمنا ومبادئنا، مع أننا لن نستفيد شيئًا من إثبات ذلك من الأساس.

قبل كل شيء؛ نحن أشخاص لنا ذواتنا وإنسانيتنا ومبادئنا وقيمنا وذلك قبل أن نكون مشجعين من الأساس، والحياة مليئة بالاختبارات الأخلاقية والتي نتعرض لها في حياتنا اليومية، ولا يفلح أغلبنا في النجاح فيها دائمًا، فلذلك يبقى من الغريب أن نخسر مبادئنا تلك ونخسر احترامنا لأنفسنا في معارك الآخرين، فمعاركنا أولى بذلك بلا شك.

وباتخاذ موقف راموس وصلاح الأخير كمثال؛ فإن جهودك المضنية لأجل إثبات أن راموس لم يقترف ذنبًا وأن ما فعله راموس فعل طبيعي لأنها لعبة للرجال وليست للنساء وأنه بالطبع “الفريق اللي مفهوش صايع حقه ضايع”، لن يُفيدك أنت في شيء، راموس قد استفاد من تخليه عن مبادئه بالفعل وحصد لقبه الرابع في دوري أبطال أوروبا وبلغت مكافأته رقمًا وقدره، لكن ما استفادتك أنت التي تخوض من أجلها تلك المعركة؟.

أنا أعلم أن حِدة التشجيع قد بلغت حدًا غير مسبوق، وأن إثبات رأيك وإفحام مشجعي الغريم باتت معركةً ضارية، يُبذل فيها أوقات وجهود مضنية، لكنها رغم ذلك تظل نقاشات في إطار لعبة وُجدت للمتعة ليس أكثر، ولا ينبغي أن تحتل مكانًا أعلى من ذلك مهما حدث.

في النهاية؛ قد ترى أنت ذلك مثالية فارغة لا داعي لها، وأن كل ذلك لا يخرج عن كونه تنظير ليس أكثر، وهو قد يكون كذلك فعلًا، وكاتب هذا الكلام ليس ملاكًا معصومًا، ومن الممكن ألّا تصمد مبادؤه المزعومة تلك حال اختبارها، لكننا نحاول، نحاول وفقط أن يبقى احترامنا لأنفسنا قبل كل شيء،وأن تظل مبادؤنا صامدةً لو تعرضنا للإغراء، ونسأل اللّه الثبات.