كمال كاذب ونقص خفي

الصُوَر التي تبدو لكَ كاملة يْعكِس ظلها كُل الأشياء الناقصة منها لكنَّك لا تُبصِر من الصورة سوىٰ كمالها الكاذب، و ما يَنقُص من الصورة قَد يْنفي حُضور كُلَ ما فيها



الناس في طرق تعبيرِهم عن ما يختلِج في صدورِهم شتىٰ، والمتشابِه الوَحيد فيما بينهم أنَّ حياة أحدهم لا تتصف بالكمال الذي قَد تبدو لكَ بِه مهما كانت، لأنَّ دارَ الاختبار لا تُسلِم أحداً من التَعثُر و لا تَترُك قلباً لا تختبِر سلامته بأقدارِها، وَالأيام ما بينَ شدةٍ و رَخاء وضيقٍ و فرَج.‬

البشر في أصلهم مراوغون، قد لا يْعكِس ما يُبدونَه تمامَ ما يُخفونَهُ بَل قد يُناقضونَهُ في محاولاتِهم للتغلُب علىٰ ضعفهم،
وَمَن تَظُن أنَّ معارِكَهم لا تَستلزم منكَ إشفاقاً أو منهُم معاناةً و نُواحاً قَد تُشقيكَ ما إن تطأها أو تَمُرَ بها، وقَد تنغمِس بسببها في حُزنٍ يَبلُغ ضعفَ أحزانِهم.

لا تَعِب ما دُمتَ لم تُختبَر، إنَّ ظاهرَ الأمر ليس كباطنه، وبعض الأمور التي خُيِّل إليك أنها سهلة يسيرة -في ظاهرِها-، هي شديدة عسيرة على مَن عاشروها، ولرُبما ذاك الحِمل الذي تتعجب من خِفَته لو وضعوه على كَتِفك لانهرتَ من ثِقَلِه .

حتىٰ الدوائر المتشابكة تتقاطع في مساحات تسمْح لكَ بحَيزٍ ضَيِقٍ من حياةِ الآخرين مهما اتسَع، فإذا بِكَ تُجاوِر خليلك دونَ أن تَدري ما في مساحاتِه البعيدة من الألْم أو في دوائره الغير مَرئية مما يَضيقُ بِهِ الصدر ولا ينطلِق بهِ اللسان.

الصُوَر التي تبدو لكَ كاملة يْعكِس ظلها كُل الأشياء الناقصة منها لكنَّك لا تُبصِر من الصورة سوىٰ كمالها الكاذب، و ما يَنقُص من الصورة قَد يْنفي حُضور كُلَ ما فيها و يُلقي بصاحبها في غيابَةِ الحسرة الصامتة وَسطَ اندهاش من حولَهُ بما يعتقدونه كمالاً لا نقصَ فيه.

‏‎كما أنَّ النّفسُ لا تقنَع بالقَليل و لا تبوح بالكَثير، تراها تلهَث و تلهَث خلفَ القِمَم دونَ كَلل، ما إن تبلُغ إحداها حتىٰ تطمَع في أُخرىٰ، و ما إن تركُض لها في حاجة حتىٰ تتزايَد عليكَ حاجاتها، فلا تَعرِف أيُها أحقُ بأن تُرضي و أيُها تُبلِغُكَ الراحة المنشودة بتمامِ السَعي.

ما خَفِيَ دوْماً كانَ أعظَم، و ما خَفِيَ يستحِق منك أن تُفكِر ولَو قليلاً قبلَ أن تُلقي بنظرةِ حَسَدٍ أو إعجابٍ علىٰ ما بدا، وما خَفِيَ يُحتِّم علىٰ كُل ذي عَقلٍ أن يقنَع بما أوتِيَ من رِزق، وعلىٰ كُلِ ذي قلبٍ بصيرٍ أن يرأف بحالِ الآخرين ولْوْ لَم يُدرِك هشاشة نقصهم عن كثَب.