سعيك كي تكون ناجحًا هو مقياس التفاوت بيننا يوم القيامة، فمنا من حقق نجاحًا دون سعي يُأجَر عليه؛ فقد كان يريد شهرةً أو رياءً، ومنا من لايزال يسعى دون الوصول إلی نهاية الطريق، ولكن



مفهوم النجاح:-

دائمًا ما نقْرُنُ النجاح بالمال، والحق أن النجاح كثيرًا ما يجول بيوت الفقراء، فالنجاح بصورة أشمل ومعنى أدق هو بلوغ ما نريد لنغدو مطمئنين؛ والاطمئنان هو بداية الإبداع ،هو لبنة التقدم والتطور، وستصل لهدفك حين تؤمن بأن الغد مشرق ولو ساد سكون الليل، وأن جمال الفجر آتٍ وبإسهامك البنَّاء تغدو حيًا؛ ذلك الاطمئنان حين تصبح أعمالك إضافة للحياة .

” إن لم تزد على الحياة شيئًا فأنت زائد عليها ” – مصطفى الرافعي –

وفي علم النفس قد أوضح المحاضر الجامعي – براين تريسي – علامات النجاح، ومنها:

– راحة البال والشعور بالسكينة.

– التعامل مع الغير بأسلوب جيد، والحرص على بناء علاقات طيبة.

– تحقيق مستوى طاقة مناسب.

– الاكتفاء بقيمة الدخل المالي.

– وضع مجموعة من الأهداف المبنية على القيم.

– العمل على تحقيق الذات.

وبنظرة أُخرى لمفهوم النجاح نجده تحقيق التوازن في جوانب الحياة بأكملها ، فتصير العقل المفكر، والشخص الخلوق، والبطل الرياضي، والمرء ذو القيم.

واعلم أن التفكير في الأحلام السامية مقاصدها دون سعي إليها يغرقك في عالم وهمي، عالم بنيت أركانه من الورق الذي سرعان ما ينهار مع آخر نفس يخرج منك.

  • لماذا خلقت ؟

حين نتأمل القمر نستنتج إبداع من خلقه، وعندما نرى اختلاط آخاذ لألوان السماء لا نجد مفر من أن لوجودنا غاية سامية.

وُجدنا دون إدراك لكيفية النَشأة، وُجدنا لنُدرك أن كل شئ في حركةٍ دائمة، ستمر لحظات السرور مع توافقية البندول، فليس للوقت من عائق، سينقضي رغم إرادتك، وسيستمر تعاقب الليل وأنت جالس دون تخطيط، سيمر وأنت منغمس في لهوٍ و سرورٍ زائفين، يتحرك كل شئ وتتوقف ليتردد تساؤل عقلك، لماذا خلقت ؟ لأي سبب وُجدت في عالم غاية في الدقة والنظام ؟

قد تناثرت الكثير من تلك الأفكار الفطرية التي تدعو إلى التعلم والبحث والتحري عند أجدادنا فمن حقاً قادر على إجابة تلك التساؤلات ؟

رجل الكهف رأى الشمس وتتبع غروبها ثم تعاقبها مع القمر ولكن هل كان على درايةٍ بالنظام الشمسي ؟

رأى أيضاْ أعضاء جسده، ولكن هل كان يعلم شئ عما يحركه ؟

نحن الآن على شفى خطوة من التعمق في كل ما وُلدنا لنجده بآذهاننا، أسئلة قد تم الإجابة عنها منذ مئات السنين، وإثر إيمان أبوينا بها أصبحنا مسلمين.

ومن الحكمة الإقرار بأن القادر على وصف ماهية ما نراه هو وحده من يملك أدلة إثبات أنه خالقنا.

فقد قال ﴿ إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ ﴾

ومن المُقَر به أن القرآن قد نزل على سيدنا محمد -ﷺ- منذ 1400 عام وعقب نزوله انطلق المستكشفون للبحث والتطور، وبالتعمق في كتب التاريخ وُجِدَ أن العديد من الحضارات لم تعرف وجود النظام الشمسي، فقد كانوا يعتقدون أن الأرض ثابتة عند مركز الكون، كما رفضوا فكرة الخلق الإلهي للكون.

وعلى الرغم من أن الفيلسوف اليوناني القديم ” أرسطوخس من ساموس ” تكهن بوجود نظام شمسي إلا أن ” نيكولاس كوبرنيكوسهو ” هو أول من قام بإنشاء نظرية رياضية للنظام الشمسي ، وبعد الإكتشافات العلمية نجد أن الله قد وصف لنا سابقاً ماكنا نجهله.

قال تعالى: ﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً وَأَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾

وحين تحدث عن النفس قال: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ﴾

ومن تلك الكلمات أدلة على وحدانية من خلقنا فنحن حقًا سيراودنا الشك في ماهية القرآن إذا اقتصر على وصف ماتراه أعيننا وسنقول أنه افتراه، ولكن تعمق القرآن فتحدث عن كل صغيرة تخفى عن من نزلت عليهم تلك الكلمات حينها فعلى سبيل الحصر للأدلة، حين ذكر حشرة تعيش فوق البعوضة فقال تعالى ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَن يَضْرِبَ مَثَلًا مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا ۚ فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ ۖ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَٰذَا مَثَلًا ۘ يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا ۚ وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ ﴾

ومع تطور آلات التصوير تم رصد ما يعيش فوق البعوضة، حقاً لقد خلق الرحمن فأحسن الخلق .

سنقر بكلامته التي بعثها إلينا عن طريق أشرف الخلق سيدنا محمد ﷺ؛ لأنه أخبرنا بخفايا خلقه وهدانا إلی التطور العلمي لندرك ما يصف.

وحين تحدث عن بداية الإنسان قال:

﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ ﴾

” فكلنا لآدم و آدم من تراب ”

ولكن شتان بين مريض وصحيح، فالمريض لا يتحرى بأي السبل يجول، وسرعان مايتحول إلى مريض لايملك سوى أمل الغد في حياة طيبة بها كل ما كان يحلم به، أما الصحيح فلم يسلك سبل الهوى فقد وفقه الله لإدراك قوله ﴿ أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَىٰ عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَىٰ سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَىٰ بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ ۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ﴾

الإستسلام للخطأ ليس حلاْ إنما يقتلك رويداً رويداً، يسلب همتك ويذرك غارقاً في ذنبك.

﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ ﴾

الغاية من العيش هي الوصول لأكبر قدر من السعي إلى الخير والإصلاح، السعي لقضاء حوائج الغير، السعى لتكون سبباً في الهداية والعطاء، لتكون سببًا في بث الأمل، واعلم أن حالتك اليوم لا تستدعي للوم القدر بل تستوجب الاجتهاد كي تصل لإمكانية القيام بأكبر قدر من العمل.

– ظلام الوهم

كثير من الناس يستنفذ سنوات حياته في بناء قصرٍ من الذهب؛ ليُقاَل عنه بنّاء، لم يقيمه كما ادعى للعيش فيه، فهو وحده يعلم حقيقة أنه ليس قصرًا بل كوخًا من الورق، مع ظهور وسائل التواصل الاجتماعي وجدت كثير من الشخصيات ملاذها، ومبتغاها في الظهور بصورة البطل الخارق، والكوميديان المدهش والعقل الرزين وهو وحده يعلم مكنون ذاته، هو وحده يعلم أنه لم يبلغ من حقيقة ظهوره أدناها، يدعي النجاح ويسعى كل السعي لإثبات أنه الأفضل، الأقوى، هو فارس أحلام كثير من الفتيات، ولم يتوقف تفكيره لهذا الحد ولكن يحاول جاهدًا للتقليل من نجاح البارزين؛ فهم يقومون بإبعاد الأضواء عنه.

أنت وحدك الرقيب على تصرفاتك أنت القادر على إنقاذ حياتك من ذاك الظلام الموحش؛ فلكل منا وقفة يوم لقائه، فماذا فعلت بدنياك ليكتب لك النجاة ؟

أشغلتك الهواجس ؟ تركت مضمار السباق ورجعت إلى خط البداية لتحية الجمهور !

إن نلت منهم في ذاك السباق، فبلغت من دراستك الدكتوراه، وحققت من الإنجازات الرياضية ذهبيات أولومبية، ورزقك الله قبولًا من الآخرين منذ شبابك.

حقًا من بلغ تلك المكانة صار من الشخصيات المثالية، ولكن ماذا بعد ليُحَقَق ؟ هل نفذت الأماني ؟

حقيقة الأمر والتي يجهلها بعض الناجحين أن لكل نجاح وجهين، وجه ظاهر يكشف مدى روعة الانجازات للغير، والآخر مقابل للذات، فإن زُين للناس وصار الوجه المقابل فارغًا فأنت غارق في عالم وهمي، وإن كان المقابل لذاتك ليس كذلك بل تزين بجهد الوصول فأسر النفس مليلًا حينها يجب مراجعة الغرض من السعي، فلم تكن قريبًا من الله بالقدر الكافي كي تبتغي بذاك النجاح الجنة، فهل قمت بترتيب النوايا الصالحة حين بدأت به ؟ هل شغتلك شهرتك بين أهل الدنيا ونسيت تردد اسمك بين ملائكة السماء ؟ هل صنعت من نجاحك طرقاً؛ لدخول الجنة ؟

” الغرض من أي عمل يسبق الشروع به ”

قبل خوض سبيل النجاح اكتب النية وراء تحقيقه، حينها لن تهتم كثيرًا بكم أن نجاحك أبهرهم، لن يتملكك الغرور مع مدح أحدهم، وستتحرر من قيود الرياء؛ لأنك تبغي رضا الرحمن.

حين بدأت الشروع في كتابة المقال تحريت البحث وراء الغرض من الكتابة، والتفكير، وترتيب الكلمات، وكل ذاك الجهد، فأدركت قول النبي ﷺ [ رَجُلاَنِ أَحَدُهُمَا عَابِدٌ وَالآخَرُ عَالِمٌ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- « فَضْلُ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِى عَلَى أَدْنَاكُمْ »، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- « إِنَّ اللَّهَ وَمَلاَئِكَتَهُ وَأَهْلَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ حَتَّى النَّمْلَةَ فِى جُحْرِهَا وَحَتَّى الْحُوتَ لَيُصَلُّونَ عَلَى مُعَلِّمِ النَّاسِ الْخَيْرَ. ]

اجعل وراء كل نجاح نية صالحة تنجيك من أهوال يوم القيامة ولا تدع لهو الدنيا يأخذك بعيداً عن الله.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ ۚ أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ ۚ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ﴾

ختامًا

  • تذكر دائماً أننا في اختبارات متتالية فلا تقطع حبل التواصل مع صانعها، فالصلاة من أقرب الأعمال إلى الجنة.
  • لا تدع عملًا صالحًا وإن صغر؛ فلا تعلم أيُ الأعمالِ تُدخلك الجنة.

ُُُُ ۥۥفرب عمل صغير عظمته النية ، ورب عمل كبير حقرته النية ۥۥ

[ ذات يوم مر رجل من بني إسرائيل فوجد في الطريق جزع من الشوك فقال: لأنحينّ هذا كي لا يكون أذىً في طريق المسلمين، فشكر الله له ذلك ،وغفر له ،وأدخله الجنة ]

  • اجعل وجودك في الحياة مقترن بعمل صالح كبير، كأن تكون سبباً للعطاء 《ففي عام المجاعة قال أحد الرجال من بني إسرائيل: ربي وعزتك وجلالك لو كانت تلك الجبال طعاماً لوزعتها على عبادك ابتغاء مرضاتك، فقال الله ياموسى بلغ عبدنا أننا قد قبلنا منه صدقته 》
  • (من هم بعمل حسنة فلم يعملها كتبت له حسنة ) فكر في الخير، وعدد النوايا الصالحة الصادقة، واطرق باب الرحمن؛ ليوفقك لنيل شرف القيام بذلك العمل ابتغاء مرضاته.
  • ستجزى بسعيك بإخلاص لتحقيق كل تلك الأعمال المهولة، فقل سأقوم ببناء مصنعاً يُدِرُّ ربحه على ذي القربى، واليتامی، و الفقراء، والمساكين وابن السبيل.

﴿ فمَن كانَ يَرجُو لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادةِ رَبِّهِ أَحَدًا ﴾

﴿ وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَىٰ ﴾

سعيك كي تكون ناجحًا هو مقياس التفاوت بيننا يوم القيامة، فمنا من حقق نجاحًا دون سعي يُأجَر عليه؛ فقد كان يريد شهرةً أو رياءً، ومنا من لايزال يسعى دون الوصول إلی نهاية الطريق، ولكن سيؤجر على محاولة بلوغ هذا النجاح القيم.