جبر الخواطر

جبر الخواطر عبادة لا يتحلى بها كثير من الناس، يختلط فهمها بالنفاق والمجاملة أحيانًا رغم بساطة فهمها وتحقيقها في أبسط الكلمات والتصرفات إلا أن كثيرًا منا لا يمتلك تلك الميزة...



عندما يطرق أذننا مصطلح “عبادة” فإن أول ما يتبادر إلى آذهاننا الصلاة والصيام وبر الوالدين وصلة الأرحام وغيرها من العبادات التي تتبادر إلى الذهن عادة، ورغم عظم شأن هذه العبادات وكبير فضلها إلى أن هناك عبادات أصبحت خفية –ربما لزهد الناس بها وغفلتهم عنها- وأجر هذه العبادات في وقتها المناسب يفوق كثيراً من أجور العبادات والطاعات، ومن هذه العبادات عبادة “جبر الخواطر”.

جبر الخواطر عبادة لا يتحلى بها كثير من الناس، يختلط فهمها بالنفاق والمجاملة أحيانًا رغم بساطة فهمها وتحقيقها في أبسط الكلمات والتصرفات إلا أن كثيرًا منا لا يمتلك تلك الميزة…
جبر الخاطر .. وكسر الخاطر .. كلمتين نعايشهما صباحًا ومساءً .. مابين واقع أليم .. وبين انتظار علاج ..
قد يكون جبر الخواطر في كلمة .. قد تكون في حصول مبتغى .. في مواساة والتخفيف عن معاناة .. وقد تكون لمسة عطف وحنان من بني بشر بوقفة حانية .. أو بكل ما قيل.
قد تكون بدعوة صادقة من قلب والد أو والدة أو ذوو صلاحٍ بقولهم ” الله يجبر بخاطرك ” .
تصب عليك هذه الدعوة زخات مليئة بالأمل .. تملى حياتك .. وتعيد إليك نشاطك للحياة من جديد .

باختلاف الشخصيات والعقول فإن البعض يتأثر بكلام أحد الأقربين له بل ويتوقف نجاحه على كلمة حلوة يسمعها يقع تأثيرها على قلبه تدفعه ليُكمل حياته ويكتسب القدره علي المسير والنظر للأمام دون ان تتعثر قدميه.

جبرُ الخواطرٌِ من صفاتِ الله سبحانه وتعالي- التي يُحب أن يراها في عبادِه ولذلكَ كان الحظ الأوفر منها لسيِّدِ المُرسلينَ، وإمامِ المتقينِ -عليه صلاةٌ وسلامٌ دائمينِ-، وقد أوصاهُ اللهُ -تعالى- بعدمِ كسرِ الخواطرِ فقالَ: (فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ * وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ).

عَنْ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- ‏‏قَالَ: كَانَ لِي أَخٌ صَغِيرٌ يُكْنَى ‏‏أَبَا عُمَيْرٍ فَطِيمًا -أيْ تجاوزَ السَّنتينِ من عُمرِهِ- وَكَانَ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يُمَازِحُهُ، ‏وَكَانَ لَهُ ‏نُغَرٌ ‏-طائرٌ صَغيرٌ يُشبِهُ العُصفورِ- يَلْعَبُ بِهِ فَمَاتَ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ‏-صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ‏ذَاتَ يَوْمٍ فَرَآهُ حَزِينًا، فَقَالَ: “مَا شَأْنُهُ؟”، قَالُوا: مَاتَ ‏نُغَرُهُ، ‏فَقَالَ مواسياً له وجابراً لقلبِه: “يَا ‏‏أَبَا عُمَيْرٍ، مَا فَعَلَ ‏ ‏النُّغَيْرُ؟”، كأنَّه يقولُ: أخبرني ما الذي حدثَ؟.

وعن جَابِر بْن عَبْدِ اللَّهِ -رضيَ اللهُ عنهُما- وهو يذكرُ كيفَ جبرَ بقلبِه النَّبيّ لمَّا لاحظَ عليه الحُزنَ والانكسارَ، يقولُ: لَقِيَنِي رَسُولُ اللَّهِ، فَقَالَ لِي: “يَا جَابِرُ مَالِي أَرَاكَ مُنْكَسِرًا؟”، قُلْتُ: “يَا رَسُولَ اللَّهِ اسْتُشْهِدَ أَبِي، وَتَرَكَ عِيَالًا وَدَيْنًا”، قَالَ: “أَفَلَا أُبَشِّرُكَ بِمَا لَقِيَ اللَّهُ بِهِ أَبَاكَ؟”، قلت: “بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ”، قَالَ: “مَا كَلَّمَ اللَّهُ أَحَدًا قَطُّ إِلَّا مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ، وَأَحْيَا أَبَاكَ فَكَلَّمَهُ كِفَاحًا، فَقَالَ: يَا عَبْدِي تَمَنَّ عَلَيَّ أُعْطِكَ، قَالَ: يَا رَبِّ تُحْيِينِي فَأُقْتَلَ فِيكَ ثَانِيَةً، قَالَ الرَّبُّ -عزَّ وجلَّ-: إِنَّهُ قَدْ سَبَقَ مِنِّي أَنَّهُمْ إِلَيْهَا لَا يُرْجَعُونَ”؛ فيا اللهَ، هل تتصوروا حالَ جابرٍ، بعدَ هذا الخبرِ الجَابرِ؟.

‏يروى أن امرأة من الأنصار دخلت على عائشة بعد حادثة الإفك وبكت معها كثيرًا دون أن تنطق كلمة، قالت عائشة: لا أنساها لها،
وعندما تابَ الله على كعب بن مالك بعدما تخلف عن تبوك دخل المسجد مستبشرًا فقام إليه طلحة يهرول واحتضنه قال كعب: لا أنساها لطلحة.

قل للجميع كلمةً طيِّبةً لعلَّها تكونُ سبباً في نهايةِ الآلامِ           إذا لم يكن عندكَ مالٌ تعينُ به على نوائبِ الأيامِ
لا خَيلَ عِندَكَ تُهديها وَلا مالُ                                                  فَليُسعِدِ النُطقُ إِن لَم تُسعِدِ الحالُ