لا بأس بقليل من الحٌمرة

ابحثوا عن جمالٍ داخلي دائم لاتفسده أي تجاعيد - دون إهمال مظهركم الخارجي في حدود المعقول- واستيقظوا كل يوم راضيين عن هيئاتكم و تباين ملامحكم مادمتم تنعمون بصحة وعافية، وتوقفوا عن جلد أنفسكم والإذعان



ها هي تفتح عينيها المثقلتين بالنُعاس موجهة نظرها إلى نافذتها المواربة؛ لتطمئن أن خيوط النهار لم تكتسح كل الغرفة بعد، تعلم تمامًا أن عليها أن تتحرك الآن وإلا ستتأخر، لا عن تناول فطور لذيذ، ولا عن احتساء كوب من الشاي وغمر بعض من “البقسماط” فيه، بل عن استعداد مسبق مُطوّل ليوم جامعي عادي تبدو فيه بمظهر يشعرها بالرضا عن ذاتها وهيئة مثالية خالية من أي عيب بارتداء ثياب غير مريحة وحُلي كثيرة و”مكياج” كامل يخفي أي عيوب -من وجهة نظرها- بغض النظر عن كمية المساحيق المستخدمة والألوان المبالغ فيها في وضح النهار.

في الواقع هي نصف قصة غير مثيرة للاهتمام ولكنها غالبًا ماتحدث، فمقاييس الجمال الحالية أصبحت تحتّم على الفتيات في كل البقاع -والتي من ضمنها الجامعة- في مدينتنا الصغيرة أن يفعلن ذلك بشكل يومي ليبدون كقريناتهن كمثال قريب أو بصورة أبعد كنجمات “هوليوود”.

ولعل أغلب تلك المقاييس المستعصية غير موروثة بالمرّة بل مُصدّرة إلينا جميعًا من الخارج سواء عبر شاشات التلفزة، الإنترنت، وغيرها بشكلٍ مباشر أو غير مباشر، فصاحبة الثنيات الزائدة أو المنحنيات الحادة ولون البشرة الذي لا يناسب الموسم منقوصة الجمال، وعليها أن تتنحّي جانبًا وتفسح المجال لمن هي أجدر منها أو أن تناضل لتصل لتلك المعايير عن طريق “الماكياج”و “الكونتور ” الذي قد يستغرق ساعات في اليوم الواحد، أو حديثًا عن طريق “عمليات التجميل” فأصبح من المعهود الآن أن تقلب في قنوات التلفاز وبرامجها المعتادة فتجد أغلب مواضيع الطبخ والفن والمشاكل السياسية والاجتماعية استبدلت ببرامج طبية تجميلية وأغلب مشاهديها من عامة الناس ذكورًا وإناثًا يسألون باهتمام عن طرق شد الوجه الجراحية و شفط الدهون و”الفِلر” و”البوتوكس”و “الفينير” وتقنيات “الليزر” بعد أن كانت تلك المصطلحات تخص نجوم السينما فقط، أو أن تسمع في المنازل مجموعة من النسوة يتهاتفن للبحث عن أفضل الأماكن المختصة بتلك العمليات مهما كانت التكلفة، عِوضًا عن التنافس في اقتراح بعض “الماسكات” بالعسل وماء الورد والزبادي وغيرها من المكونات، وأن ينتشر “الفوتوشوب” وغيره من البرامج لتحويل الجميع إلى نجوم استعراضيين بشكل يفوق المبالغة كثيرًا.

تذكّرت حين كنت أقلب يومًا قنوات التلفاز فتوقفت لوهلة عند مشهد من مسلسل خليجي تقول فيه إحداهن لأخرى -تحثها على أن تواكب العصر وتتشجّع لعمل عمليات التجميل- “ما بقي إلا أنتِ وشغالتك ماسويتوا عمليات تجميل”.
فهل مايحدث هو ردّة فعل طبيعية للتطوّر المفاجيء والسريع لكل التقنيات ؟!
أم أنها محاولات متعمدة من البشر للبحث عن الكمال والتمام؟!
وهل التقدم في العمر أضحى شبحًا يفزع كل هؤلاء ؟!
وإلى أي مدى قد يصل هذا الهوس؟!
كل ما سبق ليس هجومًا على من يبحثن عن الجمال ولكن إحالة كل ماهو بشري طبيعي إلى ملامح خارقة ومزيفة لا يمتّ إلى الجمال بصلة، فهوس الجمال يسرق منا تدريجيًا طبيعتنا، ويمحو اختلافنا وتنوعنا ويجعلنا نعتاد الزيف لا في المظهر فقط بل في الباطن والتصرفات أيضًا، وتحويل هيئاتنا جميعًا إلى قوالب واحدة مستنسخة أسوة بأشخاص آخرين لانعرفهم أمر مبتذل ومهين وخالي من المنطق.
قال الله تعالى: (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ)
جـمال الـروح ذاك هو الجمال              تـطيب بـه الـشمائل والخِلالُ
ولا تُـغني إذا حـسنت وجـوه              وفـي الأجـساد أرواح ثـقال
ولا الأخـلاق لـيس لها جذور               مـن الايـمان تـوّجها الكمال
زهـور الـشمع فـاتنة ولـكن                  زهـور الروض ليس لها مثال
حـبال الـود بالإخلاص تقوى               فـإن يـذهب فلن تقوى الحبال

وختامًا… ابحثوا عن جمالٍ داخلي دائم لاتفسده أي تجاعيد – دون إهمال مظهركم الخارجي في حدود المعقول- واستيقظوا كل يوم راضيين عن هيئاتكم و تباين ملامحكم مادمتم تنعمون بصحة وعافية، وتوقفوا عن جلد أنفسكم والإذعان إلى ما يرومون من تغيير في خلق الله المنزه عن كل قبيح.
فعلينا أن نرى أنفسنا بعين الرضا ونرفع عنها وطأة هذه المساعي الواهية؛ فالروح، تبقى دائمًا هي جوهر الجمال.