أنا حر إذًا أنا موجود

إن الحرية جاءت لتخلص هذه الروح السماوية من أسر هذا الجسد الأرضي، في محاولة لاستبدال كل ما هو فانٍ بخالد، وعند عكس المعنى وإلصاق مفهومها بالانصياع وفقًا لغرائز بهيمية لهو أشد ما يمكن أن



“إنّ نهر الحضارة الإنسانية لا تزال روافده تنحت كل معلم حضاري وجمالي على وجه البسيطة منذ تلك اللحظة التي أمسك فيها هذا الإنسان البدائي حجرًا ما وخطّ به رسوم علي جدران الكهوف صمدت حتي يومنا هذا كبوصلة مشيرة إلى أنّ أصل الفن ومنشأه مرتبط بروح الإنسان، حتى وصل ذروته في منحوتات مايكل أنجلو، ومعزوفات بيتهوڤن، وكتابات دوستوفيسكي.”

ربما لم يميز الجنس البشري العقل وحده وما نجم عنه من تقدم تقني و تكنولوجي هائل، بل كانت روحه هي الخصيصة المميزة التي أورثته تفرد وذاتية وأضافت لوجوده قيمة تكاملت مع  ما منحه العقل.

وفي محاولة لإيجاد هذا الخيط الدقيق الذي يجمع الكتابات الأدبية والمعزوفات واللوحات وكل تجلٍ لجمال -يندرج تحت مسمي الجمال وذلك لمساسه روح الإنسان وارتقاءً به وبذوقه- سنجد أن حرية الروح هي البذرة التي انبثقت منها جميعًا، وهي الخيط الذي جعل منها عقدًا تزدان به الحضارة البشرية حتى يومنا هذا، فحرية الروح وبحثها الدؤوب عن فرديتها و منشأها وموطنها هي التربة الخصبة التي تنبثق فيها بذور الإبداع فيُنتَج من الروائع ما لا يخفت وهجه مع مرور الزمن.

ولم تتمثل الحرية في صورة صماء في أعمال فنية رائعة بل هي قيمة إنسانية تُعطى لكل فعل بسيط قيمته، وتجعل له أثرًا عظيم الوقع على النفس كتلك الأعمال الجميلة.

فالحرية هي واسطة عقد الفضائل الإنسانية، حيث أن أيّ فعلٍ إنساني لن يكتسب معنى أو قيمة إن لم يغترف من نهر الحرية الزلال غرفةً تنقيه من شوائب النفاق والمجاملة وتجعله موحد الأصل؛ أي نفسه وذاته فقط.

فالشمائل الطيبة لم يقتصر أثرها فقط علي المُتلقي، إن كان العطاء أو الإحسان من باب الذكر وليس الحصر، فهذا الفعل الإنساني له أثر علي كلا طرفيه فالمعطي يستشعر بقيمة وجوده وأن لهذا النبض الذي يسري في أوردته معنًا ملموسَا، وأنه فعل يحمل من المشاعر الإنسانية ما تسلبه الحروف جمال أصيل لا يُدرك إلا بالتجربة، يجعل الإنسان يحلق في براح من السمو والرقي والسعادة.

وحينما يسلب هذا الفعل الخَيِّر تلك النزعة الروحية المُتمثلة في أن يكون منبعه ذات الانسان وإرادته الحرة، يكن فعلًا غير أخلاقي و إن كان أثره لا يزال علي المتلقِي كما هو ولكنه سلب فاعله من ذاته ووجوده وقيمته وكذا قيمة هذا الفعل معه، فالحرية هي ما تعطي غيرها قيمة ولا تكتسب قيمتها من سواها.

ويقول الفيلسوف علي عزت بيچوڤتش :”أسبقية الحرية ليس ضروريًا إثباتها بشئ من خارجها، فهي تذكر ذاتها بذاتها”

و يلوح لنا في الأفق سؤال تبادلته الأجيال ” هل الإنسان مُسير أم مُخير؟ ” هل مُنحنا حرية لأفعالنا، أم أنه كُتب علينا ما ينبغي فعله و نسير وفقه؟

” وهل إذا إتجهنا إلي الخيار الأول فهل يتنافي ذلك مع الإيمان بالقدر الذي هو ركن من أركان الإيمان؟! ”

تلك الأسئلة تروادنا ولا نزال وفي محاولة للوصول إلى إجابة مقنعة، إلا أننا سنري أننا وقعنا في إحدى المغالطات المنطقية، وهي إخضاع الله و تدبيره وفق هذا الخط الزمني الذي نسير نحن عليه، فالفعل لا يكتسب وجود إن لم يكن مقرونًا بزمن ما والله مُتعالى على الزمن.

لتوضيح الفكرة بمثال أقرب للواقع: صديقان يشاهدان فيلمًا ما ،وعند لقطة ما أخبر أحدهم الآخر أن البطل سيموت في تلك اللحظة، وذلك لأنه رأي هذا الفيلم من قبل ويعلم أحداثه كاملة، فلا يمكن الافتراض بأنه تدخل في إرادة من قتل البطل و تسبب في ذلك، فالعلم المسبق لا يسلبنا إرادتنا وحريتنا ..بل مَنحِنا إياهم هو عين العدل الإلهي المطلق، فإذا كان هناك أي مؤثر أو منبع لأفعالنا خيرًا كانت أو شرًا غير أنفسنا وإرادتنا فكيف نعاقب أو نثاب عليها فيما بعد؟!

ويقول الفيلسوف الألماني چان بول سارتر ” على الإنسان أن يذهب لأبعد حدود المسئولية، حدود يعنيها الإنسان بذاته – أكان الله موجودًا أو غير موجود- هذا يعني أن وجود الإنسان يرتكز دائمًا على الاختيار بحرية، أكون قد إخترت قبل ذلك بين الإيمان بالله أو الكفر به”.

إن عالمنا الذي نعيش فيه لم تُشكل نسبية أينشتاين أبعاده المادية فقط، بل تسللت في خفة إلى أعماق النفس البشرية جاعلةً من نسبية كل فعل وكل تفسير له باختلاف فاعله والظروف المؤثرة والدوافع خصيصة لا يمكن إنكارها ولذا فالقيم المطلقة لا تزال حبيسة أوراق الكتب وأسوار مدينة أفلاطون الفاضلة التي شيدها في خياله واستحالت أنقاضًا عند ملامستها أرض الواقع، فالحرية المطلقة وهم مطلق، وإن لم تُمسك الحرية بكلتا يديها بمسئولية من جهة وقبول من أخرى لكانت وصمة البشرية التي لا تُمحى.

فما قيمة فعل لا تحتمل تبعاته ،وحق أصيل منحه الله لك لتنكره علي غيرك؟!

فهما بمثابة تقييد للحرية وفق ما يتلاءم مع الطبيعة البشرية حتى لا نحلق بأحلامنا في سماء حرية مشرقة فنجد أنا هوينا في قاع بئر مظلم من اللانضج، والتعديات علي المساحات الشخصية.

ولا يزال مصطلح الحرية في المجتمعات الشرقية من الكلمات المثيرة للريبة و التوجس، فهو قد ارتبط بحرية الغريزة و انطلاقها في الأرض دونما رادع أو حد، وهذا يوضح مدى عبودية الإنسان لغرائزه وسطوة المصادر الخارجية عليه دون تحرير ذاته.

إن الحرية جاءت لتخلص هذه الروح السماوية من أسر هذا الجسد الأرضي، في محاولة لاستبدال كل ما هو فانٍ بخالد، وعند عكس المعنى وإلصاق مفهومها بالانصياع وفقًا لغرائز بهيمية لهو أشد ما يمكن أن يظلم به الإنسان نفسه.

ويقول الرافعي رحمه الله ” الدين حرية القيد، لا حرية الحرية، فأنت بعد أن تقيد رزائلك و ضراوتك و شرك، أنت من بعد هذا حر ما وسعتك الأرض والسماء والفكر، لأنك من بعد هذا مكمل للإنسانية مستقيم علي طريقها، ولكن هَب أن الحمار تفلسف وأراد أن يكون حرًا بعقله الحماري، أي تقرير المذهب الفلسفي الحماري في الأدب، فهذا إنما إطلاق حريته أي تسليط حماريته الكاملة علي كل ما يتصل به من الوجود ”

الحرية و الإنسانية صنوان، والفن والروح لا يفترقان، فحر الفكر والروح  فنان وإن لم يرسم بريشته لوحة أو يخط بأصابعه رواية؛ بل يعزف على وتر الإنسانية سيموفنية يتردد صداها في زمان سرمدي، تتكاتف مع أعمال سابقيه و لاحقيه في محاولة لجعل هذا العالم مكان أفضل.