الجلال والجمال

إن الضمير الآثم لا يحتاج إلى أصبع إتهام، لذا ابدأوا بمحاكمة أنفسكم أمام ضمائركم، وأعلموا أن شجرة الظلم لا تثمر، وإن من بالغ في استسلامه ضاق فكره عن رؤية الحقيقية



“مفكِّر حالك إذا لابس دِرْع وماسك سلاح بتخوف الفَلَسطِينية؟” – عهد التميمي
بهذه الجملة عرفنا من هي (عهد التميمي)، الفتاة الفلسطينية ذات السبعة عشر عامًا التي لا تترك للجُبن مجالًا كي يعرفها، لا تعلم كم جنديًا إسرائيليًا بات من ورائها محسورًا من ذُلِّه أمام صفعاتها المتتالية عليهم، ولا تعلم كم فلسطينيًا أنقذته من محاولة إعتقال. اعتادت من صُغرها على جرأتها وتحديها لجنود الاحتلال وتصديها لهم ومقاومتهم بالضرب أو الصراخ، وأحيانًا بطردهم عند اقتحام قريتها أو بيتها. أما عنها الآن فهي لا تملك إلا أن تنادي “وامعتصماه” لأنها تعلم إنه لا يوجد من يبعث لها جيشًا أو حتى جنديًا واحدًا ليُخلصها مما هي فيه، فاكتفت أن تعتصم بنفسها!

“بالروح.. بالدم.. نفديكِ يا فلسطين”
قد يكون هذا الهتاف للبعض هو الشعلة الأولى لحب فلسطين، يوم كنا صغارًا واشتعلنا بحماسة الغضب الفطري أثناء متابعة الانتفاضة الثانية، لم ينس أحد مشهد استشهاد (محمد الدرة)، المشهد الذي سيظل محفورًا في أعماقنا مهما مر من الزمن، يلي ذلك من المشاهد البارزة بعدها بأربع سنوات مشهد صرخات الطفلة (هدى غاليا) على شاطئ غزة حين استشهد 7 أفراد من عائلتها من بينهم أبوها وأخواتها، والكثير والكثير من المشاهد التي لم ولن ننساها.
تجىء المصائب وترحل هنا وهناك، وتدور الدنيا وتنقلب رأسًا على عقب، وتستقيم وتميل، نسى من نسى وتذكر من تَذكَّر، وأهل فلسطين كانوا ولا يزالوا صامدين ثابتين بدون مللٍ أو كلل، نيأس من بضع سنين بينما تُزيدهم السنين بأسًا وقوةً وشدة، يُقتل شهيدهم فيولد ألفًا ليثأروا له بينما نتشاور في أن نُحرِّم إنجاب ولو طفلًا واحدًا في تلك الظروف، كم نحن سُذَّج أمامهم!

“إن الضمير الآثم لا يحتاج إلى أصابع اتهام، لذا ابدأوا بمحاكمة أنفسكم أمام ضمائركم، واعلموا أن شجرة الظلم لا تثمر، وأن من بالغ في استسلامه ضاق فكره عن رؤية الحقيقة، ومن صدَّق كَذِب الحياة سخر منه ضميره، وأن عواقب الصمت أشد خطورة من أسبابه، ولأن الضمير هو منارة الإنسان إلى الصواب نستعين به لتحقيق الحلم العربي، لذا دعوا ضمائركم تنطق؛ فالضمير الأبكم شيطانٌ أخرس” – أحمد العريان
قد تبدو هذه الكلمات مألوفة بشكل كبير لك، كانت تلك مقدمة لأغنية “الضمير العربي”، والتي أتذكر جيدًا كيف كنت أتأثر في كل مرة أراها، وكم كانت تحرك بداخلنا مشاعر من الغضب والحب والثأر والحزن معًا، أتذكر كم كنت أشعر بقلة الحيلة!
وها قد مرت عشر سنوات تقريبًا، وتناسيت كل ذلك، فعدت مرة أخرى لأكتشف أن مجرد الصمت والتناسي كانوا بمثابة الخذلان، وأيقنت أن أضعف الإيمان أمام الظلم، ألا تنسى المظلومين!

“اذا ضلينا في بيوتنا بنشوف الأخبار مين بدو يحررها؟
بدكو تستنوا صلاح الدين يرجع يحررها؟ ع الفاضي!
ليش ما نصلح من حالنا صلاح الدين واحنا نحررها؟” – عهد التميمي
بعد سنوات من غياب العالم عن إلقاء الضوء على فلسطين، تعود “عهد” لتصيح في وجه ضمائرنا كي تخبرنا أنه ما زال هناك من بداخلهم روح المقاومة التي لم تُزهَق مهما حاول الزمن، وأن فلسطين لن تعتاد الظلم وتتكيف معه كما أعتاده الكثير منا، بل ترفضه وتثور عليه كما يثور جسم الإنسان إذا اخترقه سرطانٌ خبيث. تعطينا درسًا في عدم الاستسلام والخنوع للظلم مهما توغل في بلادنا، ودرسًا آخر مُوجعًا لمن لا يزال يملك ضميرًا بألا تكن أنفاسه قصيرة مهما غرق في الظلم، وأن الموت سعيًا في منتصف الطريق خيرٌ من الموت بخَيبَة الأمل في أوله.
“عهد” ليست الطفلة الأولى ولا الأخيرة التي استطاعت أن تثبت للعالم أن البنادق تفزع أمام طفلٍ فلسطيني، هناك الآلاف من “عهد” الذين تستطيع أن ترى شجاعتهم المستميتة، تحتاج فقط لمقارنة بسيطة في بضع دقائق لكي تدرك أن بإمكانك أن تنفض عنك غبار اليأس والانكسار وتُكمل مسيرتك، تحتاج فقط بعض الإيمان.