النظرة الأخيرة

أمعنت النظر فإذا به وقد كان حلمي القديم، بالتأكيد وكل تفصيلة به تثبت أنه هو بكونه منسيًا وراء ظلمات الحياة، حزينًا مهمشًا وسط الأحلام المبتذلة المغيبة، وقد نظر إليهم نظرته الأخيرة ورحل ولم يع



لم ننتق أقدارنا، إنما نحيى على هيئتنا التي أبصرنا أنفسنا عليها في الحياة، ربما استقبلنا الحياة بنوبة بكاء لكنهم أخبرونا بعدها أنها من أجل الحياة، ومن ثم راودتنا أفكار مجهولة دائمًا، ولكن تبقى الحقيقة الثابتة التي تظهر حين يُنتزع الحُلم منا فجأة، ولا ندري لماذا يختارنا القدر؟حين تتعلق وتسبح في خيالك، وترى الحياة وقد شابها لونًا رماديًا يتنافى مع واقع الحلم وأهوائه، وكل شيء يبيح لك الفرار إلا نظرتك الأخيرة تبيح لك الموت، موت الحلم والذكرى وكل شيء.

“فهل شعرت بالفقدان في لحظة الأُنس التي اصطنعتها يومًا؟”

لم يتداركني قط ذلك السؤال إلا حين رأيته وحيدًا، منزويًا وكأنه منسيًا في إحدى جنبات القاعة، وقد أقبل مُحاضر التنمية البشرية -أو كما يُطلق عليه “مُحاضر السعادة”- إلى الحشد مُصطنعًا ابتسامته المعتادة.

يختلس النظر حوله وقد اتسعت الابتسامات على وجوههم، وامتلئوا بكل أسباب الأمل المزيف وكأنهم سكنوا جنان الأرض في شعور فوضوي عابث، لعله يبحث عن شيء من السعادة.

يريد قليلًا من الأمل الذي يؤمن إيمانًا أعمى أنه لن يتحقق ربما كان يجد في خداع نفسه لذة لا يفهمها سوى المقهورين أمثاله.

“وهل يُبحث عن السعادة؟”

الغريب في الأمر أنه قد كان محاضرًا للسعادة يومًا ما وقد أرهقني جدالًا في ذلك الأمر، كثيرًا ما نعتني بالشؤم، وأنني منبع الطاقة السلبية في الكون؛ الآن وقد مزقه الزمان واجتاحه الدهر ببعض من نوائبه التي لا خلاص منها ولا فرار من مجابهتها بكل ما أُوتيت من ضعف.

انتهت القصة، وقد أحمرت أيدي الجميع من التصفيق الحار، وقد اشتعل الأمل في وجوههم في تلك الحلقة الكاذبة التي لا تمت للواقع بصلة إلا أن الواقع قد يبعد بعض أميال من تلك القاعة المزيفة.

وانتفض من مكانه مبتسمًا، بالتأكيد قد كانت ابتسامة حقيقية عفوية تُخبئ تفاصيل من الوجع المستتر وراءها.

أمعنت النظر فإذا به وقد كان حلمي القديم، بالتأكيد وكل تفصيلة به تثبت أنه هو بكونه منسيًا وراء ظلمات الحياة، حزينًا مهمشًا وسط الأحلام المبتذلة المغيبة، وقد نظر إليهم نظرته الأخيرة ورحل ولم يعد.

“لغة الصمت”

لا أؤمن قط بلغة الكلام، أرى أن النظرات أكثر حدة وأكثر واقعية للتعبير عما تحويه صدورنا وعما يُثار في مشاعرنا، أؤمن بالنظرة الأخيرة، أرى أنها أكثر ألمًا من الحياة بل أؤمن أنها شيئًا من الموت وقد عجل من حدوثه قليلًا ليرتبط بدقات الحاضر وكأنها نسمة خريفية وقد أقبلت في فصل الربيع؛ فالنظرة الأخيرة تروى تفاصيل وقصص يعجز المرء عن وصفها وتداركها، وهل تُروى الذكريات إلا بالنظرات؟

كنظرة مقدسيٍ في وداعه الأخير مع الاقصى، ونظرة طفلٍ إلى الحياة في الثلاث ثواني الأخيرة وهو على مشارف الموت.

ونظرة ملحدٍ وقد خذله الجميع ولم يجد الله، ونظرة مؤمن وقد رأى الله.

ونظرة وداع لا تحتمل اللقاء، ونظرة لقاء لم تكتمل.

ونظرة كارهي الموسيقى إلى العود، ونظرة مدمني اللحن إلى الصمت.

ونظرة الأعمى إلى العدم، ونظرة محاضر السعادة إلى السعادة.

ونظرة حُلمي يوم احتضاره.

دائمًا ما تقتل النظرات، وإن لم يكن الكلام هو اللغة المتداولة لأصبح الأمر أشبه إلى الخيال.

فهم هكذا دومًا يحبون الحياة، ولربما ستعلن النظرات عن الإفضاء والبوح بكل مستتر في واقعنا وبكل شك لا يقبل الإثبات.

وأخيرًا قد تيقنت أن الفقدان في حضرة الحلم المزيف ماهو إلا إشعالًا لخيبات القدر أو إطفاءً للشمس، ولربما هو إعادة لسلسة الهزائم المتكررة، كتكرار مشاهدة فيلم درامي، أو تكرار نسيان القهوة حتى تفور كل صباح، دون أي اكتراث أو نية لتصحيح الأوضاع، فتصبح كذلك كالعصفور الحر الذي أصبحت حريته سجنًا له حين فقد قدرته على التحليق، وكأنه أصبح حرًا بلا حرية وسجينًا بلا سجن.

وقد علمت الآن أنه شعور معتاد لم يكن من الواجب عليَّ طرحه بادئ الأمر، والآن سأطرح سؤالًا جديدًا متى كانت نظرتك الأخيرة؟ بل متى ستنتهي تلك النظرة؟