اتحاد الطلاب: السير بهدوء نحو جبل الجليد

عصام الزيات يكتب: قد يكون في الأنشطة بقيةٌ من روحٍ بعد ما مرت به من تفريغٍ، ومحاولات دائمة لجعلها خاوية من المعنى، وتحييدها، فإذا كانت ترفض أن تكون معنا، وبوقًا لنا، فعلى الأقل نجعلها



انتخابات اتحاد الطلاب الحالية تُعيدك سنتين إلى الخلف، حين تركت العمل الطلابيّ كاملًا، جملةً وتفصيلًا، بعد ثلاث سنوات يُمكن وصفها بالحافلة، والمليئة بالأحداث والتطورات؛ الأمر كان أشبه بسفينة “تيتانك” وهى تسير نحو الجبل الجليدي؛ قمة الجبل واضحة، الاصطدام محتوم، قوارب النجاة قليلة ولن تكفِ الجميع، والاختيار إن كان مُتاحًا الآن، فلن يكون كذلك بعد حين.

قائدها يصر على البقاء فيها، إما أنه  يُنكر حقيقة الاصطدام، ويأمل في نجاة السفينة؛ وإما أنه يعلم به، لكنه  يُؤثر أن يغرق بشرف مع سفينته. الآخرون، إما شاركوه الفدائية، وآثروا البقاء مثله أو أنهم لا يعلمون حقيقة ما يجري، أو في كل الأحوال يعلمون أنّ الجبل لن يُؤثر فيهم، فقط اختاروا الانحناء لعظمته، والابتعاد عما يُغضبه.

لكني لست قائدًا، ولا أعتنق الفدائية دينًا، ولا أرغب في أن أنحنى كذلك، لهذا قررت القفز مُبكرًا؛ حين أراجع القرار أكتشف أنّي كنت مُحقًا تمامًا، وأنّي لم أخسر شيئًا بتركي العمل، بل ربحت الكثير؛ ربحت أنّي قفزت من المركب قبل أن تصل إلى قاع المحيط المُظلم، وصارت أثرًا بعد عين، وطللًا بعد حضارة، فليست هذه هى المركب التي نعرف، وليست هي التي سعينا أن نكون على متنها.

ليس كل الغرق عيب؛ فالأمواج قد تكون أعلى، فيصبح الغرق اضطرارًا ونتيجة حتميةً، ولكن أن نستمر في الغرق دون أن نقفز، فهذا هو الغباء.

هذا ما سنحاسب عليه، لن يلومنا أحدٌ على غرق المركب، ولو فعلوا فلا تلتفت لهم؛ فمن خاض البحر عَرف، ومن لزم الشاطيء لن يعرف أبدًا مهما وصفت له؛ والأهم من لومهم لنا أننا نعرف أن القفز كان هو أفضل القرارات.

حين قفزتُ ظللت حينًا مشتاقًا إلى العودة، برغبة أنانية أحيانًا في العودة إلى الهالة التي تحيط بك، وبرغبة متجاوزة أحيانًا أن تساعد من يحتاج، أن تخطو خطوات نحو المترددين في طلب المساعدة، أن تعلن أنّك هنا للمساعدة، وأحيانًا أخرى رغبت في العودة شعورًا بالمسئولية نحو الإرث الذي تركه لنا السابقون، رغبةً في سد الثقوب التي تسرب منها الماءُ الكَالح إلى مركبنا فأغرقها؛ ولكنّ الماء قد طغى، والطحالب أنشأت بيوتها حول السفينة، والثقوب صارت أكبر وأكثر من أن تُسد.

هنا عادت النفس الأنانية إلى رُشدها مُتسائلةً ماذا بعد خدمة الناس؟؟!  ماذا سأستفيد؟؟!؛ عظماءُ أفنوا عمرهم في الأنشطة ثم غادروها ولم يدم ذكرهم، أو يبق أثرهم، ولم يُحصّلوا ما ينفعهم في رحلة الحياة القادمة، نُزعوا من مكانتهم، وحتى زياراتهم المُتكررة لم تعد تلقى حفاوةً كما السابق، والوجوه الجديدة التي تتوافد يومًا بعد يوم لم تعد تعرفهم، وحتى من خدموهم، ألهتم الحياةُ عن شكرهم .

كانت المحصلة من النشاط معرفة العديد من الصداقات الحقيقيّة، واكتشاف جانب من نفسي لم أكن أعرفه، وتشذيب جوانب أخرى، وإضفاء الاحترافية في العمل إلى سلوكي، ولكن أيمكن تحصيل هذا اليوم، في ظل الأوضاع القائمة، لا أعرف!

لا أدعو هنا لدخول الأنشطة من عدمه، ولا أقدحُ في كيان لحساب آخر، ولا أقارن عهدًا مضى بعهدٍ آخر، ولكنّي أرى أنّي ربحت حين خرجت من الأنشطة.

حين تلاشت الراحة شبه الحقيقية التي كانت الأنشطة تمنحها لي، وحين بهت شعور الإنجاز بالاشتراك بعددٍ من الأنشطة، أو تنظيم ندوة ليستفيد آخرون، أدركت أين أنا، فحتى الندوات حين تكون في موقع التنظيم، لا تلتفت كثيرًا إلى محتواها، بل تهتم بالمكان والحضور والتصاريح، فتضيع نفسك وسط كل هذا.

حين تلاشى ذلك الشعور الطاغي وشبه الزائف بالإنجاز، بدأت في خطواتٍ جادة نحو تحقيق النجاح لي، لي أنا وليس لغيري، خطوتُ خطواتٍ لم أكن لأفعلها لو كنت في أي نشاط، دخلت أنشطةً أخرى، لكنّها تتفق فيما بينها أن مصلحة الكيان لن تتحقق إلا بحصول كل أفراده على مصالحهم أولًا، وأن الانصهار من أجل بقاء كيانٍ ما هو أمرٌ عبثي لا فائدة منه، قد يكون أمرًا نبيلًا ومتجاوزًا لبشريتي المُدنسة، ولكني أراه عبثي.

قد يكون في الأنشطة بقيةٌ من روحٍ بعد ما مرت به من تفريغٍ، ومحاولات دائمة لجعلها خاوية من المعنى، وتحييدها، فإذا كانت ترفض أن تكون معنا، وبوقًا لنا، فعلى الأقل نجعلها تعيش في معارك وهمية، وأنشطة لا تُضاهى أبدًا بما قُدّم منذ سنوات.

قد يرى غيري أن الإبقاء على الكيانات -على أقل تقدير- غير مؤيدة للإدارة، والحفاظ عليها من أن تصير بوقًا للسلطة، بدلًا من أن تكون لاهثةً باسمها ومؤيدةً لها أمرًا يستحق العناء، ولكنّي -للأسف- لا أراه كذلك.

والحذر واجب من أن تتحول من فدائيّ، آثر الموت في سبيل قضيته، وارتضى البقاء حتى آخر جولات المعركة، إلى أحد أفراد الفرقة الموسيقية، يصبح دوره رفع صوته بالموسيقى؛ لكي يُخفى فشل القبطان، وتُستخدم ألحانه درعًا يتستر وراءه المسئولون، ويصبح أداةً لتزيين الوجوه البشعة، بدلًا من أن يصير مرآة تواجه المُتكبرين بحقيقتهم.