سيكولوجية الجماهير

محمد صلاح "قديس المصريين" استطاع في فترة صغيرة أن يطبق ما عجزت عن تطبيقه حكوماتنا في فترة عزها، فإن إرتأينا أن احتفالاتنا بالتأهل مغالية بعض الشيء فلنحتفل بمحمد صلاح على الأقل؛ فبعد كل شيء



“احتفالية شعب!!”

لي أستاذ في الجامعة يحكي لنا عن حال البلاد وطبائع العباد في الستينيات –فترة شبابه- ويحكي لنا عن أن كيف اختلفت اهتمامات الناس في تلك الفترة عن اهتمامتهم في الوقت الحالي وقد استعجب أستاذي كثيرًا من اهتمام عامة الشعب بكرة القدم فوفقًا لرأيه أن الناس أعطت الأمر أكثر مما يستحق حتى أنه اتهمنا في المحاضرة أننا ناعسون وأنصاف نائمون بسبب إفراطنا في الاحتفال بالمباراة –وليس عيبًا في الشرح أو الشارح معاذ الله-.

أذكر جيدًا صباح اليوم التالي لمباراة مصر والكونغو؛ مواصلات الثامنة صباحًا وكل فئات الشعب موظفين وربات بيوت وطلاب جامعيين وسائقين أيضًا ليس لهم حديث إلا محمد صلاح والمنتخب وكوبر وروسيا والجائزة المالية المقدمة من الدولة …… إلخ إلخ إلخ، وقد أخذت بعض الوقت لأرى حقًا سبب الاهتمام الشديد بالأمر فدعني أكن صريحًا قليلًا ؛ إن أخبرتني أن الانتماء هو السبب فنحن نكذب، فعصرالولاء والانتماء ولى يا صاحبي حتى وإن لم يكن ولى كليةً فوجود الانتماء داخلك لم يبلغ القدر الكافي الذي يجعلك تحتفل بهذا القدر بأمر لن يُدر عليك دخلًا ولن يحسن مستوى معيشتك ولن يرفعك في السلم الاجتماعي طبقة ولن يوفر لك وظيفة أو حتى يشتري لك عجل وموتسكلات وترابيزات بلياردو وبنج.

يتحدث الدكتور مصطفى محمود –رحمه الله-  عن نفس الموقف مرة التأهل لكأس العالم 90 فيقول “لم يشهد انتصار أكتوبر الحفاوة الشعبية التي شهدها انتصارنا في مباراة الجزائر وكأننا فتحنا العالم أو عبرنا إلى القمر” ويقول أيضًا في نفس المقال “إن الاستراتيجية الغالبة على نظامنا هي استراتيجية التفاريح والسعادة في قاموسنا انفجار ومرح وتهريج وسوف يوافقني علماء النفس على أن هذا النوع من الفرح هو تعبير عن الكبت والحرمان ولا يمت للسعادة بصلة وقد شاهدنا النتيجة، شاهدنا الشارع ينفجر ثم يهمد فجأة”

حديثه صدق حقًا !! ففرد عامة الشعب الذي لم يتأثر بتأهل المنتخب لكأس العالم أصر على الاحتفال ويكأنه قد حل كل مشاكله في العالم بهذا التأهل فلن يكون هناك لا مرض ولافقر ولا جوع ولا ظلم اجتماعي ولا طبقية ولا واسطة ولا بطالة ولن يحتاج للذهاب لعمله صباحًا؛ يذكرني الأمر بالفنان سعيد صالح في مسرحية “هاللو شلبي” عندما كان يسأله أى أحد عن أي شيء فيجيبه (أستك منه فيه!!! ) الأمر سيان هنا (تأهلنا لكأس العالم) صار حل وجواب كل مشكلة وسؤال.

“المشروع القومي والحشد الجماهيري”

إلا أن مراقبة وملاحظة د.مصطفى محمود لم تعط تفسيرًا حقا للأمر- ليس من وجهة نظري على الأقل-؛ الأمر له علاقة بجينات هذا الشعب وبنائه النفسي؛ فكرة المشروع القومي المدعوم من كل طوائف الناس فكرة رُسخت في وجدان هذا الشعب منذ عهد ناصر وبناء السد العالي ثم جاءت حرب أكتوبر 73 ليتجدد المشروع ويبدأ الحشد من جديد وهذه المرة يتخطى الأمر كل حدود التوقعات  فيقسم بعض ضباط أقسام الشرطة أن الأقسام قد خلت من اللصوص ومرتكبي الجرائم ثم تلا النصر احتفالًا ثم عاد الناس إلى بيوتهم منهكين وانتهى الأمر؛ لم يصاحب الاحتفال خطة مستقبلية أو تخطيط لإنجاز ما أو تفكير في مجريات الأمور فقط احتفال فصمت.

انتظر الشعب طويلًا لمشروع قومي آخر يوحد صفوفه ويبعث فيه الروح من جديد حتى جاء كابتن مجدي عبدالغني من بعيد وجاء كأس العالم 90 وأشهر هدف في تاريخ الرياضة المصرية، أعتقد أنه حتى بعد هدف محمد صلاح يظل هدف كابتن مجدي عبدالغني هو الأشهر والأكثر استخدامًا على الشاشات وفي ضرب الأمثال وكل شيء، أذكر فيلم ليلة سقوط بغداد –وهو من الأفلام الرائعة في رأيي- حين جاء الفنان حسن حسني بشريط فيديو عليه أهم إنجازاتنا ولحظات الفخر في تاريخنا لتحمس الشاب المخترع العالم في لحظات اليأس والضعف لنجد أن الشريط ليس إلا هدف كابتن مجدي في كأس العالم 90، الأمر الذي قد يبدو دعابة مضحكة جدًا إلا أنه أيضًا خطير فمنذ 73 حتى 2005 –عام إنتاج الفيلم- لم يوجد انجاز شعبي سوى هدف كابتن مجدي.

من هذا المنظور يمكنك أن ترى تفسيرًا للاحتفال بهدف محمد صلاح بهذه الطريقة؛ الكبت في النفوس والخواء الداخلي والحاجة إلى شيء ما يجمع القلوب ويوحد الصفوف ويبعد العقول عن الواقع المرير الذي نعيشه تجد أن ما حدث منطقي تمامًا وسيظل يحدث مادامت العوامل السابقة كما هي.

“محاولات”

حقيقةً أعتقد أن حكومتنا المبجلة على دراية تامة بنفسية هذا الشعب، فهي ليست بالغباء الذي نفترضه نحن فيها، بل هم واعون تمامًا لنظرية الحشد الشعبي وقد صدرت عدة محاولات من الحكومة الحالية لتقليد حشد الشعب مجددًا مثل الحشد الذي حدث حول الرئيس عبدالناصر في الستينيات، بالطبع لم يدركوا أن تجمع الشعب حول ناصر كان نابعًا من قلوبهم وقتها وأنهم أحبوه حقًا. والأمر مختلف الآن إلا أنهم مازالوا في مساعيهم علهم يظفرون منها بشيء؛ حتى المشاريع القومية مثل السد العالي جربوا تكرارها فمن صندوق نقدي يحمل اسم البلاد إلى مجرى مائي جديد أو مدينة جديدة كلها محاولات لعمل مشروع قومي يهدف لملء الخواء النفسي للفرد تجاه بلاده إلا أن كل هذه المحاولات على كثرتها لم ترتق بعد لتصل لعقل وقلب وروح ونفس المصري.

محمد صلاح “قديس المصريين” استطاع في فترة صغيرة أن يطبق ما عجزت عن تطبيقه حكوماتنا في فترة عزها، فإن إرتأينا أن احتفالاتنا بالتأهل مغالية بعض الشيء فلنحتفل بمحمد صلاح على الأقل؛ فبعد كل شيء كان لابد أن يحطم أحدهم أسطورة كابتن مجدي عبدالغني والشخص الذي يحطمها يستحق كل احتفال وتقدير.

مقال: محمود عبدالسلام.