“تفاصيل الساعة التاسعة”

هند ياسر تكتب: "لا أحب هؤلاء السُذّج الذين يتخرجون بمعدلات عالية، وتخصصات علمية مهمة، لكنهم لا يسمعون الموسيقى، ولا يعرفون شاعرًا واحدًا، ولم يحضروا فيلم سينما، أو يحاولوا كتابة قصيدة، أو أن يخلطوا علبة



الساعة الآن تدق التاسعة، كوب الشاي الساخن مع صوت الموسيقى الصادر من تلك السماعة المحببة  لقلبي وأمامي بعض المقالات يتوجب عليَ قرائتها؛ لا أعلم لماذا يتبادر لذهني مقولة الكاتب الفلسطيني “إبراهيم ناجى إبراهيم”.

“لا أحب هؤلاء السُذّج الذين يتخرجون بمعدلات عالية، وتخصصات علمية مهمة، لكنهم لا يسمعون الموسيقى، ولا يعرفون شاعرًا واحدًا، ولم يحضروا فيلم سينما، أو يحاولوا كتابة قصيدة، أو أن يخلطوا علبة ألوان ليرسموا لوحة؛ أنا لا أفهم هؤلاء الناس الذين بلا طقوس شخصية، بلا عادات، بلا تفاصيل، لا يهتمون بألوان الأزرار، ولا خشب المقاعد ويرضون بأي سائل ساخن أحمر فلا يتوقفون عند نوع الشاي؛ الحياة في التفاصيل، في الأحاسيس، في الذائقة .. في معنى أن تهز رأسك حزنًا أو فرحًا أو طربًا لمقطع من أغنية قديمة، أو أن تنفعل برائحة الياسمين تهب من شارع عتيق على الدور الأول”.

لطالما أحببت هؤلاء الكُتاب الفلسطينيين فهم دومًا يجسدون ما تريد قوله، وكأن الاحتلال الغاشم زادهم جمالًا على جمالهم وأدبًا وبلاغةً على أدبهم.

أعجب كثيرًا من هؤلاء الذين لا يلتفتون لتلك الأشياء الصغيرة، كيف يعيشون في الحياة دون أن يتذوقوا طعمها، هؤلاء ممن تنطبق عليهم مقولة أطياف الماضي في كتاب رسائل المطر ” أثناء البحث عن لقمة العيش، ننسى في معظم الأحيان أن نعيش”؛ كيف تتلخص لديهم الحياة في مجرد الراتب الجيد والشهادات العالية وتلك السيارة والمنزل الخيالي ؟؟! كيف يستيقظون يوميًا للذهاب للعمل دون ملاحظة صوت العصافير المزقزقة والشمس الباسمة، وكيف لا يلقون بالًا لتلك الرسائل الربّانية التي يرسلها الله لهم من خلال الكون ؟؟!

أتساءل دومًا  أينامون جيدًا دون تأدية بعض الطقوس الخاصة التي لا يمكن النوم بدونها؛ كصلاة القيام وكوب الشاي وتلك الساعة المقدسة من القراءة على الفراش لتغفو حالمًا بكل العوالم الموازية التي صنعتها لنفسك؟ أم أنهم ينامون بمجرد رؤيتهم للفراش ليستيقظوا مكررين نفس الروتين الممل فانين أعمارهم وأوقاتهم فيما يعتبرونه حياة جيدة ؟

أحقًا لا يشعرون بتلك النشوة والامتنان وقت الحديث مع الأصدقاء ؟ ألا يخلقون أحداثا خيالية في أذهانهم ويتفاعلون معها حين يستمعون لمقطع موسيقى أو بعد قراءة رواية جيدة ؟؟!

كيف لا يلاحظون رائحة الكتب العتيقة وذلك السكون الصاخب في جلسة تأملية بعد منتصف الليل ؟

مشكلتنا تكمن في رؤيتنا للأمور، نحن ننظر للمال والبيت الفخم والوظائف على أنها الغاية من الحياة، ونسينا أنها مجرد وسيلة لتحقيق السعادة وإعمار الأرض، بمرور الوقت تحولنا إلى آلات متخفية في ثياب باهظة الثمن .

الراقدون فوق التراب“، لا أجد وصفًا غير هذا لأطلقه على هؤلاء من الذين نسوا الحقائق، من يجرون خلف الهوامش متجاهلين المتن، لا أجد فرقًا بينهم وبين الأموات سوى أنهم يتنفسون وتؤدي باقي أعضائهم وظائفها الحيوية.

من يستحقون الغبطة حقًا هم هؤلاء الأضواء المتناثرة على هيئة بشر، من يتركون أثرًا في كل مكان يخطونه وفى كل قلب يخاطبونه، محاربو الظل كما أحب أنا أسميهم، من يفشلون مرارًا، من يعلمون جيدًا أنهم بشر ولا يسعون لتغيير ذلك، من لا يدّعون المثالية والكمال لأنهم يعلمون جيدًا أن الكمال لله وحده، هم يخطئون لكنهم يكفرون عن أخطائهم بالكثير والكثير من النور المتناثر حولهم .

هم ليسوا من هذا النوع الذي ينتحب لهزيمة فريقه المفضل ولا حتى لأنه خسر درجة أو اثنتين في اختبار لعين؛ يا صاحبي إنهم قوم غير لافتين للأنظار، ساخرون بالفطرة من كل شيء، حتى من أنفسهم، طبقًا للمظاهر لا يرقون لأن يكونوا من الطبقة الوسطى، يدققون في تفاصيل مر عليها الزمن، لا تؤرق أسياد القوم، قرروا إفناء أنفسهم في حرب حُسمت نتيجتها منذ وقت ليس بقريب، ويا للعجب لا يزالون في ميدان المعركة، السيف لديهم هو الكلمة، ويهزمون واقعهم بالغناء والأشعار والكواكب الذهبية والعوالم الموازية.

مقال: هند ياسر