مُجتمع الفضيلة

آية الجلاد تكتب: المتشدقون بالفضيلة لا يملّون الحديث عن فضائلهم، ويجد كلٌ منهم كل يوم موضوع جديد ليشيد بفضيلته ويلعن الآخرين، وينسى الجميع أن لكل منا عيوبه وأخطاؤه وأننا بشرٌ لا ملائكة محصنون، عفانا



مُجتمع الفضيلة، قد يبدو لك بهذا الاسم أنه المكان الأنسب لتحيا به ولتجد السلام النفسي والبيئة الصحيحة لتربية أولادك، لكن في الحقيقة لا يجب أن نتسرع، فمجتمع الفضيلة يخلو تمامًا من أي فضيلة.

في مجتمع الفضيلة يدفع الناس البنت للزواج دفعًا، إما بالمغريات كالمال والسفر و غيرها أو بالتهديد بأنه سيفوتها القطار أو ما شابه، يزرعون في عقلها أنه لن تطيب لها الحياة دون زواج، دون رجل يحميها ويصونها كما يزعمون حتى وإن كانت أكثر الناس نجاحًا.

في مجتمع الفضيلة لا يسألون أنفسهم هل ستكون أمًا صالحة؟ هل سيكون هو أبًا جيدًا وهل سيكون قبل ذلك زوجًا جيدًا يحسن معاملتها؟ هل سيُنشآن أطفالًا أسوياء؟ أم سينتهي بهما المطاف منفصلين كما هو حال معظم الشباب الآن؟ فكل ما يهم أن تتزوج البنت رجلًا غنيًا ليؤمن مستقبلها، لا يهم أن يكون في بداية حياته أو يكبرها بسنواتٍ عديدة، أما إذا كان مجتهد و طَموح و يبادلها الحب والاحترام  لكن لا يوجد معه ما يكفي لتحقيق أحلام الأهل فلا مكان له بينهم، لأن الزواج من رجل غنيّ “فضيلة“.

نجد أيضًا في مجتمع الفضيلة التحرش سمة أساسية عند الخروج من المنزل لقضاء أبسط الأمور ، لكن السبب الرئيسي في التحرش بكل تأكيد هو البنت، أليست هي من ترتدي الملابس الأنيقة؟ أليست هي من تضحك في الشارع وتلفت الناس إليها وإلى صوتها؟أليست هي من تمشي في كل مكان وتذهب إلى العمل والسوق والمدرسة والجامعة؟ أليست هي من تتنفس؟.

تجد رجل يبلغ من العمر أرذله يتحرش بفتاة تكاد تكون في عمر أحفاده، وإذا تكلمت يهاجمها الجميع بأن تحترم كبير السن ففضيلتنا أهم من كل شيء،  كذلك يفعل الشباب بحجة أنهم لايستطيعون الزواج، والمتزوج بحجة أنه لا يحب زوجته.. إلى ما لا نهاية، و يبقى السؤال الخالي من المنطق “إيه اللي وداها هناك؟! ” هو المبرر الأقبح من جريمة التحرش ذاتها.

لا يملك هؤلاء من الإنسانية مقدار ذَرَّة، يستبيحون لأنفسهم انتهاك أبسط حقوقنا وعلينا أن نلتزم الصمت وإلا فإننا المخطئون.. ولم لا ؟ فالتزام البنت الصمت “فضيلة” تٌجنِبهُم أن يروا حقيقتهم.

لا يخفى عليكم ألفاظ مجتمعنا التي لا يضاهيها في البشاعه أي شيء، لكن ينتفض المجتمع لكلمة يقولها أحد الممثلين في مهرجان “الجونة”، كيف يقول فنان مثل هذا اللفظ الذي لا نسمعه إطلاقًا! ولا حتى في برامج الـ talk show ولا في الشارع بدلًامن كلمة صباح الخير.

و كيف تشتم فتاة شخص تعرض لها في الشارع؟ يا لها من عديمة الحياء، ألا تعلم أن هذه الألفاظ للذكور فقط ولايجوز لبنت استخدامها وإلا نالت ما لا يرضيها، إن الشتائم غير المعلنة ” فضيلة“.

وأما اقتحام الخصوصيات والمزايدات باسم الدين والأخلاق، فلا تنتهي أبدًا، يظن الجميع أنه سِباق  للسرعة، من سيعرض رأيه أولًا في حياة غيره الخاصة ومن سيفحم الجميع بآراءه التي لا مثيل لها، ومن سيكون على حق؟!.

المتشدقون بالفضيلة لا يملّون الحديث عن فضائلهم، و يجد كل منهم كل يوم موضوع جديد ليشيد بفضيلته ويلعن الآخرين، وينسى الجميع أن لكل منا عيوبه وأخطاؤه وأننا بشرٌ لا ملائكة محصنون، عفانا الله جميعًا من لعنة مجتمع الفضيلة.

مقال: آية الجلاد.