الناس العُزاز  

كل منا يمتلك بعض الأشخاص الذين كان يعتبرهم من الثوابت في حياته، ثوابت بنيناها جميعًا للمستقبل،وفجأة سقطوا وخسرناهم سواءً بالقلب .الذي تغيّرعلينا أم بالموت



“ملعون أبو الناس العُزاز اللي لما إحتاجنا ليهم طلعوا أندال بامتياز”

أحيانًا، أتساءل لو أُصدرت هذه الأغنية في خمسينيات القرن الماضي هل كانت ستثير تلك الضجة التي أثارتها؟ هل كان الجميع سيلعن من عزّوا عليه يومًا ثم طعنوه في اليوم التالي؟ أم أن تلك الأغنية قد لامست قلوب كلًا منّا لتجد نفسها متربعة على قائمة الأغاني الرمضانية.

كل منا يمتلك بعض الأشخاص الذين كان يعتبرهم من الثوابت في حياته، ثوابت بنيناها جميعًا للمستقبل، غير قابلة للتغيير اتفق على حبهم القلب والعقل معًا، و كانوا عمدان حياتنا التي تقوم عليها لحظات فرحنا وعزّتنا و قوتنا، وفجأة سقطوا وخسرناهم سواءً بالقلب الذي تغيّرعلينا أم بالموت، وإن كان الموت يحمل في هذه الألفية مزية أن خسارة الأشخاص بالموت تترك فجوة ولكن لا تترك جرحًا أما الآن الكل مجروح ويتحدث عن ألمه، ولم يفرق الألم بين صغير أو كبير، وكأنه اتفاق كوني على “الإستندال” والتجريح من الناس العزاز.

من عشرة أيام احتفلت جدتي بعيد زواجها الخمسين، الأمر الجميل كليًا والمخيف جزئيًا فمع ازدياد حالات الطلاق والخلع من حولنا يأتي هؤلاء الأزواج من الجيل الذهبي للعشرة الطيبة محققين أرقامًا قياسيةً في عدد سنين الزواج، سألت جدتي ألم تكن خائفة حين أقدمت على خطوة كالزواج؟ وكيف تحملت كل هذه السنين وكيف أعطت لجدي الأمان؟ قامت جدتي ولم تنبس ببنت شفه وأحضرت جوابًا أصفر الورقات يحمل على صفحاته علامات مرور السنين التي تحملها جدتي على وجهها وقالت ” جدك بعت لي الجواب دا لما كان مسافر برا وكنت أنا هنا في مصر لوحدي وحامل .. حسيت زي ما إنت بتقولي بعدم الأمان والخوف من إنه يرجع مصر تاني أو حتى يرجع متغير عليّا .. فبعت أسأله إيه الضمان على استمرار حبه ومعاملته الطيبة ليا”.

قمت بفتح الجواب متشوقة لأعلم سر استمرار علاقتهم وقرأت الآتي: ” حبيبتي، لا يوجد ضامنًا فسبحان مُقلب القلوب، نحن بني آدم كُتبت علينا الصلوات والعبادات يفعل المرء منها ما يفعل ويُخلص النيّة فيما يُخلص خوفًا من الله وطمعًا في رضاه ولكنه مع كل هذا لا يضمن دخوله الجنة وإن وثق وضمن كانت هذه بداية إنهياره، حبيبتي نحن نعبد الله آملين أن يرضى عنّا ويُنعم علينا بالجنة ولكننا لا نضمنها فهل يُمكنني أن اضمن لكِ استمرار حبي لسنين طوال قادمة؟! بالطبع لا ولكن يمكنني أن أضمن استمرار المحاولة المميتة والمستميتة للحفاظ على هذا الحب وتطويره ومواكبة مصاعب الحياة به، يمكنني أن أضمن أن أحاسب قلبي قبل عيني إذا فكر في خيانتك وأن أُعاقب عقلي قبل لساني إذا حاول جرحك، فلقد تزوجت منك لبداية حياة جديدة معك، والحياة لا تخلو من المحاولة والمحاسبة.. أراكم قريبا أنت والمولود المنتظر على شوق”.

 لم تلبث دموعي أن انهمرت، ففي هذا الخطاب يكمن حب وأمان وعطاء لم أرهم في حياتي التي لم تكن لتبدأ حتى رأينا ما رأينا من الناس العزاز.

الأمان في العلاقات يعطيها بُعدًا آخر، يجعلها قوية مستقيمة فإذا اندثر الأمان في أي علاقة أصبحت مشوهه قائمة على المظاهر الخادعة والضحكة الصفراء، الأمان شرطًا واجبًا في أي علاقة سواء كانت صداقة أو زواج أو بين الأبناء و آبائهم، يجب علي أن أشعر بالأمان حتى وأنا احكي لصديقتي حكاياتنا اليومية وأعلم جيدًا أن كل ما أقوله سيُدفن في قلبها ولن تخرجه لأي سببٍ كان، فهذا من أمانة العلاقات التي فُقدت في عصرنا هذا فسبحان الله الذي جعلنا مترقبين منتظريين الخيانة والخداع من كل مَن حولنا؛ لي صديقة ترفض الزواج لمجرد أنه يتطلب هذا الشرط من استئمان الطرف الآخر التي لن تستطيع الإحساس به أبدًا فكيف ستعيش مع أحدهم وهى منتظرة منه لحظه الخيانة؟! وللأسف ليست صديقتي فقط بل التخوين أصبح سمة عامة وإن دلّ هذا على شيء فإنه يدل على مدى الانحدار الأخلاقي الذي توصلنا إليه لنكون كلنا من هؤلاء الناس العزاز المنتظرالخيانة منهم.

الحب أيًا كانت صورته ومهما كانت أطرافه هو شعور يجب أن يكون خالصًا تمامًا لله، المحبة في الله تجعل العلاقات خالية من أي أسباب قد تهدم العلاقة، الحب في الله يعطي الحياة أبدية ويتوجها بالأمان اللازم للوقوف في وجه الحياة، الحب في الله يُوجِد دائمًا بعد السقوط سببًا آخر للنهوض ويخلق يدًا تُعين على الاستمرار هو من جعل الرسول الكريم-ﷺ- يقول ” لقد رُزِقت حبها” ومن دفع بسيدنا عليّ لقول ” حظيت يا عود الأراكِ بثغرها.. أما خفت يا عود الأراك أراكَ، لو كنت من أهـل القتال قتلتك .. ما فـاز منـي يا سِواكُ سِواكَ “