الرصاصة لا تزال في جيبي

على مدار عشر سنوات تالية لم يكف التفزيون المصري عن إذاعة الفيلم في نفس الوقت من كل عام ويكأن القائمين على السينما المصرية توقف ابداعهم عند هذه النقطة



“الرصاصة لا تزال في جيبي”

أمتلك من الأعوام عشرًا، أسمع عن احتفالات السادس من أكتوبر فيتلخص اهتمامي بالموضوع في أن السادس من أكتوبر يعني إجازة رسمية؛ لا توجد مدرسة ولا يوجد واجبات، لم أكن بعد قادرًا على فهم حرب أكتوبر أسباب ونتائج وتداعيات؛ أدركت بعدها بالطبع أنها مناسبة قومية يتم الاحتفال بها كل عام وأنها مصدر الفخر والاحتفال الوحيد للمصريين على مدار أربعين عامًا أو يزيد، إلا أن اهتمامي وقتها -كأي طفل- كان منصبًا على الإجازة ومشاهدة التلفاز وهنا كان لقائي الأول بفيلم “الرصاصة لا تزال في جيبي” قصة الكاتب الكبير إحسان عبد القدوس وبطولة محمود يس ونجوى إبراهيم؛ الذي يحكي عن المجند محمد وتواجده فى الجيش المصري في فترات نكسة 67 ثم حروب الاستنزاف ثم أكتوبر 73 بإضافة بعض القصص الفرعية مثل قصة حبه مع قريبته فاطمة وعباس رئيس الجمعية التعاونية بالبلدة والذي ينافسه على خطبة فاطمة ومروان الجاسوس الذي اتضح أنه لم يكن كذلك.

على مدار عشر سنوات تالية لم يكف التلفزيون المصري عن إذاعة الفيلم في نفس الوقت من كل عام، ويكأن القائمين على السينما المصرية توقف إبداعهم عند هذه النقطة، صحيحٌ أنها ظهرت بعض المحاولات – على استحياء – للأستاذة نادية الجندي لتثبت لنا معاناتها داخل تل أبيب إلا أن الناتج من هذه الأفلام كان الكثير من الصراخ وبعض الجمل الحوارية الخالدة مثل ( خالتي بتسلم عليك ).

محاولات رسم ملامح لحرب أكتوبر من خلال قصص درامية بشكل كامل أمر أثبت فشله على مدار السنين سواء فى إنتاج عمل دارمي ناجح فنيا وتجاريا أو حتى في محاولة نشر وعي للجماهير عن الانتصار الأكثر أهمية – كما أنه الأوحد- في تاريخ هذه البلاد؛ فبدلًا من إظهار القدرة العسكرية أو القدرة التخطيطية لنا في هذه الفترة اكتفينا بإظهار صراع شخصي بحت يتمثل فى رصاصة محمد التي لا يدري على من يطلقها؛ أعلى جنود الاحتلال؟؟ أم على عباس غريمه فى الحب ؟؟ أم على مروان الجاسوس ؟؟!

الأكثر مدعاةً للاستغراب من الفيلم هو الإصرار على تقديم الفيلم فى كل مناسبة تتعلق بالجيش أو الحرب أو الانتصار؛ النتيجة المنطقية لما حدث هي تكون رابط مباشر في آذهاننا -أنا وأبناء جيلي- بين انتصار اكتوبر وفيلم الرصاصة لا تزال في جيبي حتى أننا صرنا نتساءل هل تم صنع الفيلم لأننا انتصرنا فى أكتوبر 73 ؟؟! أم أننا انتصرنا فى 73 لنصنع الفيلم ؟؟! -ويتمكن بعدها سعيد صالح أن يضع نقطة (الله أكبر ) بدمائه-؛ لا أظننا سنعلم يقينًا فى الواقع لكنني أعلم أننا سنجلس نشاهد الرصاصة لا تزال فى جيبي حينما يعرض اليوم بل سنستمتع به كذلك.

هناك العديد من اللحظات الحاسمة والمؤثرة فى تاريخنا أجملها هي لحظات الحشد الجماعي؛ يأتي على رأسها طبعًا حرب أكتوبر وثورة يناير وهدف كابتن مجدي عبدالغني ومباريات محمد صلاح مع ليفربول؛ كلًا من هذه اللحظات تم تخليدها بشكل أسطوري؛ محمد صلاح يدعمه 80 مليون مصري، كابتن مجدي لا يكف عن الحديث عن هدفه بسبب أو بدون سبب، ثورة يناير ضربت مثلًا يُحتذى به فى الوحدة الوطنية والدينية والعرقية؛ أنا فقط أشعر أننا ظلمنا نصر أكتوبر، لم نعطه حقه في أن يأخذ مكانًا فى آذهاننا وعقولنا، جل ما فعلنا كانت محاولات لا ترتق إلى مستوى الحدث على شاكلة “الرصاصة لا تزال في جيبي” و ” إعدام ميت” وكلها أفلام اهتمت بإظهار الجانب الدرامي للشخصيات أكثر من إهتمامها بتأريخ هذه المرحلة المهمة من حياة الأمة.

الفن هو ثاني مرايا الأحداث التي لم نعاصرها بعد الكتب التاريخية، فمن الممكن عن طريق أغنية بسيطة عن حدث ما تحويله من هزيمة مخزية إلى نصر عظيم وفتح مبين –وهوالأمر الذي حدث فعلا من قبل في عدة مناسبات مختلفة- ؛الآن أعتقد أننا نملك الأدوات اللازمة والانتاج الكريم الكافي لصنع عملًا فنيًا يرقي لمستوى الحدث سواء كان هذا العمل  تسجيليلًا أو دراميًا تكون ركيزته الأساسية تأريخ أكتوبر 1973 وليس مجرد الاعتماد على دراما الشخصيات وصراعاتها الداخلية؛ فبعد كل شيء خمسون عامًا من الرصاصة لا تزال في جيبي ليست بالأمر السهل أليس كذلك ؟؟!