خفت أن أحب

أعشق الكعب العالي، أعشق ارتداءه ولا أشعر بذاتي إلا وأنا أبتعد عن الأرض بخمسة سنتيميترات على الأقل، أعشق رؤيته وشراءه وانثناءة قدمي بداخله، وأعشق كل ما أعشق نظرة التعجب في عيون كل من يرونني



أعشق الكعب العالي، أعشق ارتداءه ولا أشعر بذاتي إلا وأنا أبتعد عن الأرض بخمسة سنتيميترات على الأقل، أعشق رؤيته وشراءه وانثناءة قدمي بداخله، وأعشق كل ما أعشق نظرة التعجب في عيون كل من يرونني بالكعب العالي وهم يتساءلون: “إزاي البنت دي ماشية على صوابع رجلها كده؟!”.
أستمع إلى دقات حذائي العالي الكعب على الأرض وأنا أجري به في شوارع طنطا المتهالكة وأصعد به سلالم المستشفى الجامعي وأقف أمام المريض لأسمع دقات قلبه وأتنقل به من عنبر مرضى لآخر، أحارب به يوميًا لأتمكن من عبور شارع البحر في سلام راكضة كما لو في ماراثون هربًا من سائقي الأجرة والميكروباصات، حقًا أعشق الكعب العالي ولا أكاد أرى به عيبًا حتى أعود إلى المنزل وأخلعه من قدماي وحينها أسمعهما تصرخان من الألم وكأنهما قد دهستا بواسطة قطار سريع، حينها أشعر بتقلص كل عضلة وتورم كل عظمة في قدمي التي لا أستطيع المشي عليها بصورة طبيعية لساعة على الاقل، ورغم ذلك فلن أتوقف عن شراء الكعب العالي وارتدائه، فنشوتي وأنا أرتديه لا تقارن بالألم الذي أشعر به بعد خلعه، وإن كان مقابل سعادتي وقت ارتداءه بعض الألم – المبرح- فأنا على أتم استعداد لدفع هذا الثمن.

هكذا هي العلاقات، قد تشعرنا بالألم للحد الذي يصل أحيانًا إلى توقف حيواتنا، ولكن هذا الألم لا يٌقارن بالسعادة التي نشعر بها ونحن في علاقة سوية مُرضية؛ كانت لي صديقة تعاني الأمرين من والدها، كانت دائمًا ما تحكي لي مواقفه معها والتي تتسم بالقسوة، وكثيرًا ما كنت أنفعل مع حكاياتها وأخبرها بوجوب أخذها موقفًا دفاعيًا منه وأن هذا ليس بعقوق، ولكنها كانت تجيبني ضاحكة: “يا بنتي بابا دا (Spice الحياة)، أنا مقدرش أتخيل حياتي من غيره .. آكل وأشرب وأنام وأذاكر كده بس من غير شوية إثارة وغموض؟! هو الإثارة والغموض في حياتي”، كانت كلماتها تلك تخفف عني رغم أنها هي من تأتيني طلبًا للتخفيف عنها، كانت رائعة في حب وودِّ والدها بشكل دفعني إلى حبه ونسيان قسوته معها.

حكت لي والدتي عن قريبة لنا يعاملها زوجها بطريقة غير لائقة، كنت أُشحن داخليًا بسبب هذه العلاقة التي أراها -من وجهة نظري- مستحيلة الخوض، بل أنه أحيانًا ما يأخذني التفكير إلى أن هذه الزوجة ربما تتعرض للذل أو الابتزاز من قِبل زوجها لتستمر في العيش معه، إلى أن كنت في زيارة لها ذات يوم وكالعادة أخذت في الشكوى من زوجها فاستجمعت الشجاعة اللازمة لسؤالها عما يُبقيها على هذه الزيجة التي أراها فاشلة من كل النواحي فكان جوابها: “يا سهيلة، أنا بعد ٢٠ سنة لسه أول ما بشوفه روحي بتتسحب وبطني بتوجعني ودقات قلبي بتزيد، بعد ٢٠ سنة ولسه بحس احساس البنت اللي أول مرة بتشوف خطيبها، بطريقة ما هو محافظ على احساسي ده رغم كل عيوبه؛ وده احساس ميتعوضش وأدفع عشانه عمري كله”، وقعت إجابتها على مسامعي وقع الصدمة، وجاءت عكس كل توقعاتي، ولكنني أدركت أن العلاقات كالبازل؛ قد تكونان قطعتين مختلفتين تمامًا ولكنهما مكملتين لبعضهما البعض، لا تركب قطعة منهما على قطعة أخرى؛ فقد خُلِقتا كقطعة واحدة ثم انقسَمتا ليتلاءما لاحقًا، الحكم على العلاقات من الخارج مختلف تمامًا عن خوضها، فمهما رأيت وكونت من المبادئ ووجهات النظر فكل هذا يتغير عند خوض علاقه يحكمها الحب والود من كِلي الطرفين.

نحن نريد تعريفًا واضحًا للحب، نريد كتابًا يحمل بين سطوره خطوات ثابتة لكسب الشريك الآخر، كتاب يخبرنا بدون تشكيك أو فرض فرائض أننا سننجح وسنصل للسعادة الأبدية، نريد أن نَحيى كأميرات ونتزوج أبطالًا خارقين، نريد أحدًا يجيب عن تساؤلنا لماذا أحببت هذا؟ ماذا يميزه عن أي شخص آخر لكي أحبه؟ نريد سيدة غجرية تقرأ لنا بلورتها السحرية وتخبرنا أننا سننجح ولن نتألم أو نعاني، ولكن الواقع لا يكون هكذا؛ فالمغزى من الحب أنه ميزان غير متزن، لا تتساوى فيه كفتي الألم والحب ولا تزيد كفة الأول لتطغى على كفة الثاني، ولكن كفة بها بعض الألم والمعاناة تقابلها كفة بها حب كبير يطغى على هذه المشاعر السلبية. هذه هي الحياة والحياة لا تستوي بغير الحب.

تقدم لي يومًا شابٌ فرفضته وتحججت بأنني أخشى أن أتعلق بأحدٍ فأحبه فيصيب قلبي فأتألم، فتصدت لي إحدى صديقاتي المقربين وقالت لي: “قدام كل يوم ألم هتلاقي ٥٠ يوم سعادة يستحقوا إنك تعيشهم، وقدام كل دمعة هتنزل منك هتضحكي ٥٠ ضحكة من قلبك، متضحيش إنك تحبي عشان خايفة تتألمي ودوسي في الحب وعيشي فهي دي الحياة”.
في نهايه المطاف حين تتحقق الأحلام، وتهدأ الطموحات وتتساقط الأنفس القوية ضعفًا لأي سبب كان أو حتى جراء التقدم ف العمر، فسنريد بشدة هذا الشخص الذي يرانا كما لا نرى أنفسنا، يدركنا كما لم نُدركنا من قبل، هذا الشخص الذي وقع في حب أرواحنا وتقبلنا كما نحن، الذي ظل بجانبنا في أسوأ أحوالنا قبل أحلاها، في نهاية المطاف سنوَّد لو يحتضننا أحد ما بعينه ويخلصنا من جميع مخاوفنا بكلمة واحدة هو فقط القادر على قولها، كلمه تُهدئ أمواج غضبنا وعواصف مخاوفنا، كلمة تجعلنا نشعر من جديد أننا أطفال في أحضان آبائها، فلا تبخلوا على بعضكم البعض بالمشاعر و”دوسوا في الحب”.