أربعون عامًا من العزلة

من 1976 إلى 2016.. هل كانت أربعون عامًا من العزلة حقًا؟



[media-credit id=293 align=”alignnone” width=”900″][/media-credit]

كانت البداية عام 1976م حين أُصدر القرار الجمهوري بافتتاح المعهد العالي للتمريض بطنطا -والذي كان تابعًا لكلية الطب-، فماذا حملت هذه البداية لطلاب المعهد الذي أضحى كلية مستقلة بذاتها عام 2000م؟ وما هي أسباب القوقعة التي أحاطت بطلاب هذه الكلية فعزلتهم –إلى حدٍ كبير- عن بقية طلاب المجمع الطبي -وخاصة في مجال الأنشطة الطلابية-؟

 

يعلم الكثير منا حالة الفقر النشاطي والهامشية الموجودة بكلية التمريض، ولعل كثيرًا منا قد تساءل عن السبب وراء ذلك، وقد يكون خُيل إلينا أنه مِن قِبَل الإدارة، فهل حقًا ظلمناها؟!.

ظهرت إجابات ذلك أثناء حديثنا مع أحد الطلاب –وهو عضو سابق باتحاد الطلاب- والذي أزاح الستار عن السر وراء ذلك معللًا: “الطلاب منغمسين في الدراسة علشان يثبتوا نفسهم في مكان فرضه التنسيق عليهم“.

فمِنَ الطلاب مَنْ هو كارهٌ للمكان وليس لديه طاقة للمشاركة في أي أنشطة أو الترشح لاتحاد الطلاب، ومنهم مَن لا يملك الشغف الكافي للعمل الطلابي، كما أوضح لنا السبب وراء عدم ترشح البنات لمناصب الاتحاد المختلفة وكان أيضًا نفس ما ذُكر سابقًا، كما ذكر أنه تم رئاسة الاتحاد مِن قِبل طالبة منذُ أربع سنوات وشُهد لها بالقوة وظهور بصمتها، ولكن سرعان ما عاد الوضع إلى ما هو عليه، وأصبح الاتحاد حِكرًا على البنين فقط.

 

وبحديثنا عن دور الاتحاد أكد لنا أن له دورٌ فعال، وأن الإدارة تستجيب لمطالبهم بما يتوافق مع مصلحة الجميع كتنظيم حفلات التخرج والإشراف على الكثير مِنَ الأعمال الناجحة ولكنه لا يلقى تشجيعًا مِن الطلاب للاستمرار والتقدم، أوضح أيضًا أن هناك سرًا آخر للابتعاد عن الترشح للاتحاد وهو إخضاع عملية الترشح لبعض التقييدات اللائحية والدستورية مسببةً بذلك نفور الطلاب من الترشح تفاديًا لأي مشاكل هم في غنًا عنها.

 

ولم يكن الحديث مع تمريض عن الاتحاد فقط فقد دار حديثنا أيضًا مع طالبتين بالفرقة الرابعة وأفصحتا عن رأيهما بالاتحاد نافيتين أي دور فعّال له سوى الملخصات الدراسية وأنه لا يملك سلطة قوية أو تأثير واضح على الإدارة حتى في بعض الأمور البسيطة كتغيير الجداول الدراسية، أما عند سؤالهم عن معوقات الكلية بالنسبة لهم جاء أبرزها عدم توافر أدوات العملي وهو ما يعوقهم عن ممارسة التدريب في الدروس العملية، كما أظهروا استيائهم من ضيق الأماكن وتزاحم الطلاب في قاعات المحاضرات نتيجة للتنقل بين ما يُطلق عليه تمريض القديمة والجديدة“.

 

وعن الإيجابات في الكلية فقد ذُكرت بعض المحاسن التي لا يمكن إغفالها أو تهميشها كتنمية مهارات البحث العلمي عن طريق بعض المشاريع التي تُطلب منهم.

ترى الطالبتان أن السبب وراء ضعف صورة تمريض في المجمع وهشاشة الأنشطة والأسر هو الضغط الدراسي وعدم رغبتهم في الأساس في التواجد في ذلك المكان ظنًا منهم أن المكان هو الذي يصنع قيمة الإنسان وليس العكس.

 

هي كلية مغمورة يتلخص واقعها في إن إدارة الكلية أغلبها شخصيات نسائية، ويعاملون الطلبة بمنتهى التكبر والغرور“.

جاء هذا على لسان أحد الطلاب في حديثه معنا عن الكلية، وأوضح: “اتحاد الطلاب يرضخ لهم دائمًا وينفذ أوامرهم”، واستنكر الطالب ظن معظم الناس أن خريج الكلية يعمل ممرضًا أو بالأحرى (تمرجي)، وأكد أن هذا مفهوم خاطئ تمامًا فهي كلية صعبة للغاية و(شديدة) -على حد قوله- مِن الناحية العلمية والعملية، وأضاف: “أقل (راوند عملي) عندنا 3 أو 4 ساعات“!،

كما وضح أن غياب اليوم عليه عدد لا بأس به من الدرجات وتؤثر جدًا في امتحان نهاية العام، والطلاب ليس لديهم هِمّة، ومن هنا تقوم الكلية بإحباطهم، وأشار إلى أن كل شيء “عليه درجات”، حتى البالطو لو لم يكن نظيفًا ومكويًا سيُخصم ذلك من الدرجات.

بالحديث مع طالب آخر أبدى لنا رأيه حين أكد أن الكلية مغمورة بسبب ما كان يفعله الممرضون قديمًا وهم في الواقع خريجي “دبلوم” وكل دراستهم كانت باللغة العربية، أما الآن فطلاب تمريض يدرسون مواد التشريح بجانب عدة علوم أخرى منها (علم وظائف الأعضاء وعلم الديدان وعلم أمراض الخلايا وعلم الميكروبات وعلم الأدوية، بالإضافة إلى الكيمياء الحيوية ومادة الباطنة العامة والخاصة وطب المجتمع) ويعانون في مادتي (النساء والولادة والأطفال) بكل ما تعنيه الكلمة، وختم كلامه: “دراستنا كلها باللغة الإنجليزية لا يوجد أي كلمة عربية، بل زد الفارق بينا وبين الكليات الأخرى أن كل طالب في كل راوند لابد وأن يشرح أمام زملائه فيما يُعرف بال (Self-Learning) أما نحن فلا يوجد لدينا هذا النظام “.

 

تتضمن مهنة التمريض -والتي يُطلق على مَنْ امتهنوها بأنهم “ملائكة الرحمة”- تقديم الرعاية الصحية والطبية المطلوبة للمريض حسب الحالة الطبية التي يُقرها الطبيب المختص المسئول عن الحالة.

يقول أحد الطلاب أن المُسمي الوظيفي للخريج (أخصائي تمريض) مما يشير إلى أنه لايوجد أي تعامل مباشر بينه وبين المريض، يقتضي عمله مجرد إشراف ومراقبة على الممرضين ومكافحة العدوى في المستشفى، وباختصار شديد تحتاج الكلية إلى حملات توعيه للطلاب ودور الكلية وطبيعة كل من الدراسة فيها والعمل بعد التخرج.

 

نظرة المجتمع –إلى التمريض كوظيفة- انقسمت إلى نصفين يغلب أحدهما على الآخر من حينٍ إلى آخر:-

الشِق الأول من الناس نظرتهم سيئة تحكم على أي فتاة تُزاول تلك المهنة بأنها فتاة ذات خُلق سيء وذلك لأن طبيعة العمل تُحتم على البعض منهن بالعودة في أوقات متأخرة إلى بيوتهن -في حالة عودتهن-، والنصف الآخر يحترم ويقدر دور العاملين بها، حيث يرى بعض الأفراد أن التمريض جزء مِن الكيان الطبي يمكنه أن يحل محل أي فرد آخر فيه سواء الطبيب أو غيره، فيتم اللجوء إليه في بعض الحالات والتشخصيات والتحاليل والحالات الطارئة المفاجئة .

بالنسبة لتمريض يوجد تكليف من جانب الدولة ويوجد العمل الخاص، حيث أنه متوفر وبشكل كبير نسبيًا بسبب العجز الحادث في مستشفيات مصر بشكل عام، فالمهنة تحتاج إلى عاملين مدربين و حاصلين على شهادات عُليا لأن أغلب العاملين بها حاليًا غير حاصلين على شهادات و إنما حصلوا على وظائفهم عن طريق الدبلومة أو الخبرة.

لم يعلم أحد السر بعد، فهل تراها أربعين عامًا من العزلة حقًا؟!