يلدغ المؤمن من السِجنِ مرَّتين

لم يعد يتطلب الأمر أن تتظاهر أو أن تقِف أمام المدرعات أو تنضم لجماعات محظورة، وليس عليك أن تعرض آرائك السياسية أمام الناس أو حتى أن تفصح بها، غُـلِـبَ حِمارُهم من الأسباب فلجأوا إلى



 

لم يعد يتطلب الأمر أن تتظاهر أو أن تقِف أمام المدرعات أو تنضم لجماعات محظورة، وليس عليك أن تعرض آرائك السياسية أمام الناس أو حتى أن تفصح بها، غُـلِـبَ حِمارُهم من الأسباب فلجأوا إلى (جريمة الاختفاء القسري).

 

ما يثير فضولي هو أن أعرف ما الذي يستطيع أن يفعله شاب جامعي يقضي كل وقته بين زملاؤه وأهله ليستحق أن يختفي من حياتهم فجأة؟

أنس مصطفى طالب بكلية الهندسة، في أي مكان آخر كان من المفترض أن يكون مُقيَّدًا بالفرقة الثالثة، ولكن لأننا هنا في مصر فهو الآن بالفرقة الثانية نتيجة لظروف اعتقاله المرة السابقة.

 

أتذكر جيدًا في نهاية العام الماضي خبر براءته بعد اعتقال دام لأكثر من سنة، ومَن يهتم بقضايا زملائنا يعرف جيدًا كَمَّ السعادة التي تجئ مع شطب سطر من قائمة المعتقلين، حتى وإن لم تكن تعرفهم أصلًا، وأعتقد أنه يمكنك أن تستنج من ذلك كم القهر الذي يمكنك أن تشعر به عند إضافة اسم جديد لتلك القائمة، خاصةً إذا سَبَق لك شطبه مرة، وزِد على ذلك إذا كنت تعرف صاحب الاسم.

 

أين ذهب أنس؟

تخاذلًا كان من الممكن أن تقول “لا أعلم” في بعض الظروف الأخرى، لكن بعد أن تعرِف أنه في نفس يوم اختطافه تم اقتحام منزله والتحفظ على أجهزته الخاصة أصبح من الحماقة وقِلة العقل أن تُنكر عِلمك التام بمن وراء ذلك.

لا أطالبك أن تنضم لجماعات إرهابية وتشُنَّ هجومًا مُسلحًا وتقوم بتفجير نفسك ليعود كل المُعتقلين المظلومين، لكن فقط:

كن صادقًا واعترف بذلك بينك وبين نفسِك، وذلك أضعف الإيمان!

 

من أعجب ما يمكن أن تراه في يومنا هذا وبعد كل ما مررنا به أن تجد أحدهم يحاول أن يُبرر طبيعة ما يحدث، بسهولة نستنتج أن نفس الشخص كان من مروِّجي جملة “إيه اللي وداهم هناك” في أي أحداث سابقة، شخصيًا لا أنصح بمتابعة الحديث مع هؤلاء.

كل ما يتطلبه الأمر أن تُفكر لدقائق، إذا سُلبت منك حريتك لمدة أكثر من عام، فقدت فيها ما هو أكثر من مجرد سنة دراسية يمكن تعويضها، افتقدت فيها أهلك وأصدقائك والحياة العادية التي يستحق أن يعيشها أي شخص، افتقدت فيها أن تأكل من يد أمك، وافتقدت فيها الشوارع، وسُلبت منك راحة النوم بدفئ على فراشك، لا تواصل اجتماعي، ومجتمعك الذي تعيش فيه أصبح محدود جدًا، ثم بعد أن عاد ذلك كله لم يمر إلا سنة وشهور قليلة حتى عُدت لما هو أسوأ من ذلك: الاختفاء القسري!

أنت لا تعرف أين ذهبت ومتى ستعود، وحتى زيارة أهلك التي كنت تحظى بها كل شهر لم تعد تملك الحق فيها لأن لا أحد يعلم أين أنت، حياتك الدراسية التي قد بدأت تتحسن أصبحت مُهددة مرة أخرى.

إذا فكرت في كل ذلك ومازلت ترى أن الأمر لا يستحق العناء، حاول أن تُراجع إنسانيتك.

 

أما إذا أحسست بمجرد الإشفاق تجاه من تعرض لذلك، فأنت أيضًا لم ترى الصورة كاملةً بعد.

ليكن في معلومك أن مثل هؤلاء لا ينتظر شفقة أو حزن، ونادرًا ما تجد انكسارًا في نظرتهم، بل يمكنك أن تلحظ جيدًا نظرة الثبات والصبر، أما عن الانكسار فيجب أن يكون ذلك في عينيك أنت حين تقف نائيًا عنهم خاذلًا لهم.

 

إذًا ماذا نفعل؟

أعتقد أن المتاح لنا تنفيذه في أكثر ما يحتاجه المعتقلون هو أن يجدوا لأنفسهم مكانًا محفوظًا بيننا، أن يعلموا أننا دائمًا في انتظارهم وعلى أمل عودتهم.. ذلك الأمل الذي لن نفقده يومًا، نهتم بقضيتهم ونتحدث عنهم، حوالي عشرون ألف طالب بالجامعة لا يهتم من بينهم سوى مئات قليلة وأعتقد أنه قد حان الوقت كي نُظهر مزيدًا من التضامن من خلال نشر قضيتهم. نطالب بعودة زملائنا مرة أخرى لا أكثر!

 

 

في النهاية ونظرًا لأن الأمر لم يصبح قابل للتوقع، فأنصح أن تستودعوا الله أحلامِكم ومُستقبلِكم وأهل بيوتِكم قبل أن تقرروا أن تكونوا ذوي مبادئ وعقول وضمائر تُجبركم ألا تتقبلوا الظلم والفساد بصدرٍ رحب..

والله الخليفةُ في المستقبل والوطن.

 

مقال: سلمى الخواجة