صمتهم قاتل وصمتنا مخزي!!

كيف وصلنا إلى ذلك الخراب في العقول والنفوس!، كيف ذهبت بنا الأزمان إلى ما نحن عليه الآن!، لماذا تبلدت عقولنا وتجمدت قلوبنا وصارت صخرًا!. انظروا وتأملوا وتوقفوا عند الأموات كثيرًا



 بَكيتُ عمران كما لم أبكي أحدًا من قبل، لم أستطع كتمان جهشي بالبكاء أمام تلك العيون البريئة الحائرة والتي تحاول استفهام ما حدث ويحدث حولها في صمت بائس.

صمت اخترق روحي وعقلي وقلبي وشق جسدي من قلة حيلته، صمت قتل بي الرغبة في الطموح وأنا البارحة كنت أبحث عن الهجرة إلى بلاد أحيا بها في سعادة وأبعد كل البعد عن هذا الدمار، أنا البارحة لم أكن أدرك أني جوفاء بهذه الدرجة التي أدركتها الآن، أنا البارحة كنت أضحك وضحكاتي تعلو فتملأ السماء وهناك أناس أحياء وأقرباء إلى الموت يصرخون ويصرخون ورغم ذلك دعواتهم تملأ وتهز السماء رغبة في الرحمة من خالقها وطمعًا في أن يتذكرهم أحد ممن يعيشون إلى جوارهم فيدعو لهم أو يأتي لنصرتهم.

ربما إن كنت رأيت ذلك الطفل ميتًا ما كنت بكيته هكذا وربما كنت اكتفيت بالحزن على بلاده وما حدث فيها، فأنا دومًا أؤمن بأن الأموات في رحمة السماء ولا علينا الحزن عليهم، فالله يتغمدهم بواسع رحمته، فأما ذلك الطفل وغيره ممن كَتبَ لهم القدر أن يظلوا أحياء بائسين شاهدين علي بؤس التاريخ ماذا يفعل وضعفه وغلبته! من له وقد قُبضَت أرواح من كانوا يمثلون له عالمه! إلى من كان ينظر تلك النظرة القاتلة لمستقبليها، فيم كان يفكر وسط كل ما كان يحدث حوله.

آه من شعوبٍ لا تبحث إلا عما ستأكل وسترتدي اليوم، آه من شعوبٍ تحمد الله على أنها أفضل من غيرها ممن هم في حروبٍ الآن ولا تفكر في مساعدتها، آه من شعوبٍ نصفها يشاهد الدماء تسري في أنهار كالمياه فلا تهتم ولا يغتم قلبها وتدير وجهها وجسدها لتلك الدماء كأن لم تراها ونصفها الآخر لا يراها ولا يريد حتى أن يراها إذا سمع بها ويصم آذانه عنها، وإن كان في الحق بقية فقلة قليلة تُعَد هي التي تبحث في شئون جيرانها وتهتم لهم وتدعو الله من قلوبها أن ينصرهم أو يستعملهم في نصرة إخوانهم.

أما أنا اليوم فلا رغبة لدي في الحياة، لا رغبة لدي في البعد ولا في البقاء هنا أيضًا، أنا اليوم أريد الرحيل إلي هناك؛ إلى بلاد الشام، أريد أن ألقى أهلها فأهنئهم رغم ألمي بما قد فازوا به في تلك الدنيا البائسة، أريد مشاركتهم حياتهم بما فيها فربما ألتقي يقيني هناك وأخلص إلى رب السماء وأصعد إليه من بلاد هي طاهرة.

900x450_uploads,2016,08,18,3f955a67ed

أشعر كم أنا ضئيلة إلى جوارهم، كم نحن أذلاء وعبيد قوت يومنا ولا نرقى لأن نكون أبطالًا نحمي ديننا وعرضنا وأوطاننا، لم تعد تهزنا النخوة ولا تغلي قلوبنا غضبًا للحق ولنصرة من نحب، ضاع الدين في بلاده وضاعت معه القيم والكرامة والإنسانية، أصبحت الدماء تراق ليتم تصويرها ويصنع منها مشاهد تلفت الأنظار وتزيد عدد مشاهديها، ولكن في صمت فهي مَشاهِد تُشاهَد فقط.

أصبحت على يقين أني سأُقتَل يومًا أمام بلادي وسيشاهدونني باستغراب وتعجب وإثارة كأنهم يشاهدون فيلمًا كالذي يحضرونه في قاعات العرض السينمائية، وأنا علي يقين أن أحبابي وأهلي سيبكونني قليلًا أو كثيرًا، ولكن لن ينتفض منهم أحد، لن يهزهم شيء قط.

لم تعد القضية قضية ضياع الدين والنخوة فقط، فأنا لم أعد أرى بوضوح ما الذي يجب فعله أو ما الذي تبقى من الصواب في هذه البلاد -بلادنا-، كلما بحثت عن قيمة من القيم التي يعيش عليها أبطال زمانهم وجدتها تندثر ويُلقى عليها التراب في تلك البلاد، وجدتها أصبحت محض النقاش والاختلاف والآراء بزعم الحرية في الأفكار والتعبير، لم تعد القيم الإنسانية من الأعمدة الراسخة التي تُبنى عليها الحيوات مهما اختلفت أشكالها، لم تَعُد شيء يجمعنا تحت سماء واحدة، بل أصبحت تفرقنا في هذا الزمان؛ فها هو ذاك يخبرني أنه ليس مضطر لكي يحمل نفس القيم التي أحملها وهاهي تلك تقولها لي أننا مختلفون وعليّ أنا تقبُّل هذا الاختلاف.

كيف وصلنا إلى ذلك الخراب في العقول والنفوس!، كيف ذهبت بنا الأزمان إلى ما نحن عليه الآن!، لماذا تبلدت عقولنا وتجمدت قلوبنا وصارت صخرًا!. انظروا وتأملوا وتوقفوا عند الأموات كثيرًا واسألوا أنفسكم كيف ولماذا رحلوا عن هذا العالم وكيف سمحنا لأنفسنا أن نتركهم يرحلون بهذه الطريقة! كيف سكتت أصواتنا وعمت عيوننا وقلوبنا هكذا! “انظروا واعقلوا واسمعوا لعلكم تهتدون”.