عالمك في 140 حرف

أن أصوات الإشعارات التي تصل إلى هاتفك هي من أحد مسببات السعادة، فبمجرد سمعِك لصوت رسالة على الواتس أو إنبعاث صوت اللايك يفرز هرمون السعادة في جسمك، فأصبحت السوشيال ميديا مصدرًا للبهجة .



من منا لا يُريد أن يشعُر بأنه محور الكون؟ لعل هذا هو السبب الرئيسي وراء شعبية مواقع التواصل الاجتماعي المُتزايدة، حتى أصبح استخدام السوشيال ميديا شيء لا غنى عنه في حياة الكثيرين.

وتعددت الآراء حول استخدامه حيث ترى الفئة الكُبرى أن مواقع التواصل ذات أهمية كبرى في حياتنا، بينما يرى آخرون أنها مجرد مضيعة للوقت.

13407707_860754957363683_1882560520_n

“مدمن السوشيال ميديا زى مدمن المخدرات، الاتنين بيشتركوا في ضعف الإرادة وعدم القدرة على الاستغناء عنه” هكذا صرح الدكتور جمال شمَّة -الأستاذ بقسم النفسية والعصبية- معلقًا على الاستخدام المتزايد لمواقع التواصل، وأضاف أنه أصبح كل فرد في الأسرة الواحدة يعيش في عالمه الافتراضي الخاص منعزلًا عما حوله، حتى صار هذا المشهد متكررًا في كل مكان كوسائل المواصلات والجامعات، حتى وصل الأمر لمُجتمعات الأصدقاء في المقاهي أو المحاضرات.

” أصحابي شايفيني مدمن وبيقولولي حياتك بقت عبارة عن140حرف، وبتقف معانا وأنت موجود على تويتر. في واحد صاحبي قالي أنت بتشوف الأحداث حواليك تويتات تنفع تتكتب” هذا كان تعليق الطالب محمد البرلسي واحد من الفئة المؤمنة بأن السوشيال ميديا شئ ضروري في حياته اليومية، وحتى عندما لا يكتب “تويتات أو بوستات” بمعدل كبير في اليوم فهذا لا يعني ابتعاده عنها ولكنه يكتفي بالمشاهدة ومتابعة ما ينشره الآخرون، وهذا هو حال الكثير من الجيل الحالي.

في حين يري يوسف عبدالله -الطالب بكلية الصيدلة- أحد كارهي السوشيال ميديا أن الإفراط في استخدامها هو ما يجعل الشخص انطوائي وليس العكس، فهو يقلل مهاراته الإجتماعية في التواصل الحقيقي مع الناس على أرض الواقع، كما أوضح أنه ابتعد عنها بعد فترة من إدمان مواقع التواصل وفضّل استخدام الانترنت في مجالات أخرى  كالدراسة أونلاين مما أتاح له فعل أشياء عديدة في أوقات فراغه كالقراءة.

ولعل من أهم استخدامات تطبيقات مواقع التواصل في حياتنا هو “الفيس بوك” وبالأخص ما انتشر مؤخرًا في جيلنا الحالي وهو “جروب الدفعة”، أصبح هذا المسمى يتكرر كثيرًا في حياتنا اليومية، فصار من المعتاد تفقده بشكل يومي، بل أصبح أيضًا وسيلة تواصل أساتذة الكُلية مع طلابهم، يعتمدون على توصيل كُل جديد يحدُث في الجامعة عن طريق “جروبات الدفع”. فصار من أساسيات حديث الطُلاب مع بعضهم البعض يوميًا عما حدث في “جروب الدفعة”، ماذا قال الدكتور وكيف كان رد الطُلاب عليه وإلى أين وصل الأمر. مسمى “جروب الدفعة” أصبح هو الآخر جزء لا يتجزأ من حياتنا اليومية كأحد أوسع استخداماتنا لمواقع التواصل .

أضاف الدكتور جمال شمَّة “بعد انتهاء اليوم اسأل نفسك ماذا استفدت غير إعجاب على بوست أو كومنت، هتلاقي الوقت كله ضاع على مشاحنات ده عمل بلوك ودا شاف الرسالة ومردش واليوم بيضيع من غير استفادة”، فأصبح كل ما يهمنا هو تسجيل وتوثيق اللحظات دون الاستمتاع بها.

كما أصبحت السوشيال ميديا والتكنولوجيا تشكل شخصيتنا وتتحكم بدرجة كبيرة في تكوين وعينا، فأتاحت الفرصة للجميع أن يصبحوا صُنَّاع محتوى حتى صار لكُلٍ منا شخصيته في الواقع وشخصية أُخرى افتراضية عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

ولكن في نفس الوقت تجنب استخدامها ليس هو الحل، لأن وجود السوشيال ميديا أصبح واقعًا لا مفرَّ منه، وانعزالك عنها يُشعرك بأنك غير مواكب لمجتمعك. وقد جاء تعليق يوسف مؤكدًا أن التجنب التام لها هو أيضًا خطأ، فلابد من استخدامها ولكن بحد أدنى، “النت ضروري ساعات لما الناس بتعوزني في شغل أو بتبعتلي رسايل”.

 استكمل الدكتور جمال شمّة حديثه عن أهمية السوشيال ميديا قائلًا أن أصوات الإشعارات التي تصل إلى هاتفك هي من أحد مسببات السعادة، فبمجرد سمعِك لصوت رسالة على الواتس أو إنبعاث صوت اللايك يفرز هرمون السعادة في جسمك، فأصبحت السوشيال ميديا مصدرًا للبهجة حتى في أصواتها. أضاف أيضًا أن هذا النوع من السعادة يُعطي بعضًا من النشوة التي يتغذى عليها العقل، فأصبحت بمثابة جرعة منشّطة لنا.

يرى العديد أن السوشيال ميديا تُساعد على التواصل بين الأفراد في مختلف المجالات كالدراسة وتبادل الاهتمامات والمعلومات فأصبحت تُشكّل إعلام بديل يوفّر الأخبار في أي توقيت دون الحاجة لمتابعة أي برامج أو بذل أي مجهود. “الفايدة اللي خدتها من المواقع دي كانت إني أقرا عن اهتماماتي زي السينما والأدب وأقول رأيي في حاجات مختلفة”، كما وضَّح محمد البرلسي، مشيرًا أن مواقع التواصل الاجتماعي وفَّرت قدر كبير من الحرية في التعبير “عمره ما بيحكم عليك ولا حتى مُهتم يعلّق”.

كان للسوشيال ميديا دور قويِّ في اندلاع الثورة وتوصيل الأخبار والتواصل السريع بين المتظاهرين، وانقطاعها في ذلك الوقت سبَّب إثارة غضب العديد. ومازال الحديث عن قانون يُنظم مواقع التواصل الاجتماعي قائمًا ومعروض للنقاش في مجلس النوّاب.

لم يقف أثرها عند ذلك الحد، بل للسوشيال ميديا دور كبير في نقل كل الأخبار حول العالم، معرفتنا بما يحدُث في ثورة تونس، واندلاع الثورة في سوريا وغيرها من دول العالم الخارجي كان سبب وصولها لنا الأول هو السوشيال ميديا، حتى أصبحت مواقع التواصل الاجتماعي منبر جديد لبث الأخبار حول العالم، ولم يكن الأمر في مِصر فقط.

هل لك أن تُصدق أن 2.5 مليار من ساكني العالم يستخدمون مواقع التواصل الاجتماعي من أصل 7 مليارات؟ نسبة لا يُستهان بها. لقد أصبحت هذه المواقع جزء لا يتجزأ من حياتنا، فقد وصلت معدلات استخدام السوشيال ميديا إلي قرب أقصاها. وحسب الإحصائيات العالمية فيأتي موقع التواصل الإجتماعي ” فيس بوك” هو أول ما يتصدَّر قائمة المواقع الأكثر استخدامًا، يليه “تويتر” ومن بعده تتقارب نسب استخدام باقي أنواعه.

وبالحديث مع بعض الطلاب و استطلاع آرائهم وجدنا أن تقريبًا بنسبة 84% من طلاب الجامعة يستخدمون مواقع التواصل الاجتماعي بمُعدل من خمس ساعات فأكثر يوميً، وبرغم كِبَر هذا النسبة إلا أن 66% منهم أجزموا أن حياتهم قبل السوشيال ميديا أو في غيابها كانت أفضل، وكذلك 70% من هذه النسبة لا يستطيعون الاستغناء عن وجود السوشيال ميديا في حياتهم.

تم سؤال 290 طالب في هذا الاستبيان :
f054axt

وفي نهاية حديث الدكتور جمال أوصى لمن يُريد حل بـ تدريب للابتعاد عنه لفترات تبدأ من ساعة في الأسبوع الأول ثُم الأسبوع الثاني ثلاث ساعات وبالتتابع، وتكون هذه فرصة لتقليل الساعات وتدريب النفس وهذا ما يُسمى “بالعلاج السلوكي”. ويجب أن نتوخى الحذر في إضافة أصدقاء جدد غير معروفي الهويّة. “ونكون على حذر في الكلام اللي بنكتبه و الصور اللي بننزلها, ونتأكد من المعلومات اللي بننزلها ونروجّها”.

“من الصعب أن تكون عبد لشئ عُرضة أن ينقطع”، فماذا ستفعل إذا استيقظت يوميًا ووجدت أن خدمة الإنترنت قد انتهت؟ ولم يعد هناك مواقع تواصل اجتماعية؟

تحقيق : نهى عطا – أحمد سمير – أسماء إبراهيم – منة الكومي.