نحن لا نكفر بالوطن

سيِّدي الرئيس: في الرسالة الماضية قُلتُ أنني ومعي المستقبل ننتظر كَلِمَتَكُم، ولكن الحقيقة، أن الكلمة التي يجب أن تُسْمَع هي كلمتنا، هي كلمة الجيل الذي يملك المستقبل وحده.



ربما لن تتفق معي في رأيك عن “سناء سيف”، وربما لا أتفق شخصيًا معها في بعض المواقف، ولكن دَعَك من كلِ هذا؛ كيف يُمكن لأحدنا أن يَصِلَ إلى ذُروةِ الثبات فيدْفَع بنفسِهِ ليأخذَ نصيبه من الظُلم؛ فيكون بذلك في أقوى موقفٍ يمكن أن يُعبر به عن رَفضِه له؟

كيف يمكن لفتاة عِشرينية أن تقف أمام وكيل نيابة رافضةً أن يتم التحقيق معها غير مُعترفة بسيادة منظومة بأكملها على قرارتها، وحين يصدُر قرار بحبسِها من نفس المنظومة تستيقظ صباحًا بكل هدوء وتذهب لتُسَلِّم نفسها في مشهدٍ يعجز فيه الظُلم عن تحمُّل قوتها مُعلنًا عَجزِه عن إلحاق الضعف بها؟

إذا أخذت نظرةً عامة على هذا الجيل ستجد أنَّ هناك من ينتظر نهاية الإسبوع لا لأن يتقدم لخِطبة حَبِيبَته ولكن ليرى صديقه في جلسة محاكمة، ستجد طفلةً صغيرةً تختار أفضل ملابسها وتنتقى ما يَليقُ بها من الزينة ليس للذهاب إلى النادي ككل صديقاتها ولكن لأنها تستعد لرؤية أبيها غدًا بعد أن مُنِعَت عن زيارته في السجن لشهرين، ستجد من يبيت عند صديقٍ مختلفٍ كل يوم ليس لأنه بحاجة أن يزورهم ولكن لأنَّ هُناكَ أمر ضَبْط وإحضار في انتظاره، ستجد من ينتظر النُطق بالحُكم في قضيته يدعو بتلقائية “اللهم ثباتًا”، لا يخاف من الظلم فيدعو بالنجاة مِنه بقدر ما يدعو بالثبات على الحق خوفًا من أن يفقده، وستجد من يؤنبه ضميره أنه أصبح بين أهله بينما رفقاؤه في الزنزانة لم يخرجوا بعد، مع أنه لا يملك في الأمر شيئًا.

مصيبةٌ تتلو الأخرى وكارثة تُشغلنا عن التي سبقتها، أصبحنا لا نستطيع أن نُحدد دعوات لندعو الله بها فنختصر كل ذلك في دعوة واحدة: “يارب انت شايف وعارف، طب نعمل إيه؟”، نخاف أن نُعدد أسماء المعتقلين وننسى أحدهم فنكتفي بكلمة “الحرية للمعتقلين”، ننام ليلًا مُستعيذين من شر ما نستيقظ عليه من أحداث، ونُودِّع بعض أصدقائِنا بعد اليوم الدراسي آملين فقط أن نراهم في اليوم التالي، نفزغ إذا حاولنا الاتصال بأحدهم وتَأخَّر في الإجابة.

لكن -بالرغم من هذا- لا نقف أبدًا في منتصف الطريق، ولا نملُ من الصمود، نتلقى الضربات فوق رؤوسنا لنزداد يقينًا وإيمانًا كما يزداد المِسمارُ ثبوتًا كلما اشتَدَّتَ في طَرقِهِ، يسقُط أحدنا يائسًا فيخجل من نفسِه أمام صُمود من هم أسوأ مِنهُ حالًا، نتقاسم ما تبقى فينا من أمل؛ فلا ترى فينا مَن هو كامل في أمَلِه أو كامل في يأسِه، أما الخوف فلم يَعُد له وقتٌ ولا مكان، كل ما يثير الخوف أصبح عبثًا محض ومُثيرًا للسخرية.

سيِّدي الرئيس:
ليَكُن في معلومك أننا أصبحنا جيلًا يستمد قُوَتَه من اليأس، علمنا جيدًا أن الأمل لم يعد كافيًا وحده كي نستمر، والطريق خال من علامة الـ(يو ترن) لنرجع بعدها، والثمن الذي تم دفعه غير قابل للاسترداد بدايةً من “خالد سعيد” ومَن قَبلهُ حتى آخر ضحايا يومِنا هذا.

في الرسالة الماضية قُلتُ أنني ومعي المستقبل ننتظر كَلِمَتَكُم، ولكن الحقيقة، أن الكلمة التي يجب أن تُسْمَع هي كلمتنا، هي كلمة الجيل الذي يملك المستقبل وحده، لم يَعُد هناك مُتسعٌ من الزمن لأن تشاركونا أيامنا.

إن كان السلاح الذي يتم استخدامه ضدُنا هو اليأس والقهر فسلاحنا الإيمان، نحن المستقبل القادم مهما حاولتم أن تجعلوه جسرًا لتعودوا فوقَه إلى الماضي، نحن ذلك الصوت الذي يطارد آذانكم وترتجف منه رموشكم فلا تستطيعون النوم ليلًا، نحن تلك “الكاميرا” التي تلقوا بعدساتها خلف قضبانكم حتى لا تراها عيونكم فتهتز لها صدوركم. نحن لسنا كمن يبيع، نحن لا نكفر بالوطن سيدي الرئيس وإن أكفرتموه بنا.