كان نفسي في واحدة زيِّك

في نقاش لـ(ثائر) مع (أحلام) أخبرها عن نظرية قديمة لبعضِ الفلاسِفة يرَون أن دور الإنسان في الحياة هو إعمار الكونِ متمثلًا في طريقين، يحتاج أحدُهما إلى مجهود الرِجال، ويحتاج الآخر إلى النساء لحماية النسل.



HB3

مَن مِنا لم يُشاهد (كاميليا شُهدي) في مسلسل (حكايات بنات) التي حرَمها الله من الإنجاب بسبب معاناة رَحِمها من تشَوُّهاتٍ خِلقِيَّة لم تدَع له أيَّة فُرصة لحمل طفلٍ داخِله، وفي الأيام الأخيرة تفاجأنا جميعًا أن (حورية فرغلي) التي أبدعت في دور (كاميليا) على وشك إجراء عملية استِئصال ٍ للرحِم بسبب وجود أورامٍ به تقطع عنها الأمل في أن تكون أمًا يومًا ما.

دائمًا ما اِستوقفتني في المُسلسل المشاهد الخاصة بمعرفة (كاميليا) بعدم قُدرتِها على الإنجاب، صَدْمتُها عند سماعِ الخبر لأول مرة وتكذِيبها له، سعيُها للحصول على رأي مُخالف من أكبر الإخصَّائِيين في مِصر والخارج، وهرولَتِها إلى صدِيقتها بعد تأكيد الخَبر والدموع تتساقطُ من عَينيها، وهيَ تقول: “أنا ما بَخلِفش يا أحلام”، مُشاهدتها لحياتها الزوجية وهي تنتهِي أمام أعيُنها دون أي رأيٍ لها في ذلك، والألم الذي عاشتهُ وهي تتذكر ما كانت عليه حياتها مع زوجِها السابِق، وما كان من الممكن لها أن تكون عليه لولا حِرمانُها من الإِنجاب، ومشهدٌ لاحق حين اصطحبت صديقتها الحامِل (مريم) إلى المستشفى ساعة تولِيدها، وحَملت طِفلتها بين ذِراعيها لأولِ مرة، والعبارات التي قاَلتها لها مثل: “كان نِفسي أوي في واحدة زيك”، “عارفة، (كريم) سابنِي عشان مقدرتش أجِيبله واحدة زيك”، “إنتي برضه مُصره تعيطي! طب تيجي نِعيط مع بعض؟”، هذه المشاهد كانت الأروعَ تمثيلًا لها في المُسلسل، وفي كل الأدوار التي قدمَّتها (حورية فرغلي) في مشوارها الفني.

عندما أتَأمل الآن هذه اللقطاتِ، أشعر أنها كانت على علمٍ بحقيقة مرضها الذي سبَقتها إليه كلاً من جَدتها وأختها، كانت تعلم أنها لن تصبح أمًا، وأن لا شيء باستطاعتها فِعله لتغيير ذلك، كانت تشعر بقدر كافٍ من الألم لم تَحتَج معه إلى مجهودٍ لاصطناعِ هذه المشاهد، فجاء حُزنها ودموعها حقِيقيْين جدًا.

في نقاش لـ(ثائر) مع (أحلام) -شخصيات في نفس المسلسل- أخبرها عن نظرية قديمة لبعضِ الفلاسِفة يرَون أن دور الإنسان في الحياة هو إعمار الكونِ متمثلًا في طريقين، يحتاج أحدُهما إلى مجهود الرِجال، ويحتاج الآخر إلى النساء لحماية النسل، لذلك فإن المرأة التي حُرمت من الإنجاب محكُومة بالشعور بغِياب دَورها في الحياة مهما كانت ناجحة في عملِها الشخصي.

وأنا شخصيًا لا أجد ما أُقنع به أي اُمرأة حُرمت من الإنجاب بالتوقُّفِ عن حُزنِها، فباِعتباري فتاة أعلم أنني أشتاقُ بدافعٍ غريزي مُنذ الأبد لأكون أمًا ولا أتصور يومًا عمق حزني إذا علِمت بعدم مقدرتي على ذلك، أكاد أشعر منذ الآن بقسوةِ هذا الإحساس التي لا تقلُّ عن قسوة إحساس أمٍ فقدت اِبنها للموت في سنٍ صغيرٍ، ولن تتوقفَ عن تذكرِه والحُزن على فِراقِه ما تبقى من عُمرها، لكن أستطيعُ أن أُخبرها أنه ابتلاءٌ من الله، يختبر به من يشاء من عَبدَاتِه في إيمانها وصبرِها على قضائِه، وأن الله رحيم لا يكلف نفسًا أكثر من وِسعهَا، وأنه عادل لا يُبخس أحدًا رزقًا كتبه له في الدنيا أو الآخرة، يَحرمنا من شيءٍ فيعوضنا بالأفضل منه، وتِلك حظوظٌ من الله يوزِعها على عِباده كيفما يَشاء.

وحِرمان أي اِمرأة من الإنجاب لا يعني بالضرورةِ حرمانها من الأمومة؛ فتِلك غَريزة إلهية تُوضع في قلوبنا منذ نعومةِ أظافرنا، تأمَّل لِما تَلقاه عرائِسُنا من رِعاية وتدليل، تأمَّل كيف حَملناهُم بين ذِراعينا ونحن نقول عنهن: “دِي بِنتي” وسَتفهمُ ما أعني، ولا شيء يمنع أي اِمرأة من استمرار احساسها بهذا الشُعور تجاه أي طفلٍ تلتقي به في حياتها، وقد تجِد من أحدُهم اِنعكاسًا لمشاعِرها فتقترب في قِلبه من مكانةِ الأم، وكم من نساءٍ شَعرنا تِجاههن بِمثل هذا الإحساس واِعتبرناهن أمهاتٍ أُخرَ لنا، وإِذا كانت مُتيسرة الأحوالِ فلا شيء يمنعُها من كفالةِ طفلٍ يتيم ليس له من يرعاه في هذه الحياة سوى الله، تتكفلُ بكل احتياجاتِه المادية والمعنوية، فيحفظُ جَميلها طوال العمر رُبما أكثر من بعض الأبناءِ الذين لا يُقدِّرون قيمة أهلِهم الحقيقية، ويرعَاها في كِبَرِها كما حَفِظته في صِغره.

ولا أحد مِنا يغفلُ قِيمة الدعاءِ إلى الله وأثرهِ في تغيير المكتوب، ونعلم جميعًا قصة المرأة التي جاءت لسيدنا موسى -عليه السلام- تطلب منه أن يَدعو ربه أن يرزقها الذُرية، فسأل موسى الله -عز وجل- أن يرزقها طلَبها بالذُرية، وكان موسى كَلِيمُ الله فأخبره أنني يا موسى كتبتُها عَقِيم، فتأتي المرأة لسيدنا موسى فيرُدها خائِبة لأن الله كَتبها عَقيِم، وتُكرِّر طَلَبها مِن موسى بعد عامٍ آخر، وتعُود بنفسِ خيبةِ الأملِ؛ فالله كتبها عَقِيم مرةً أخرى، ويمر الزَمن وتأتي المرأة إلى سيدنا موسى وهي تحمل طفلًا صغيرًا فيسألها موسى: “من هذا؟”، فتقول: “هذا اِبني، قد رَزَقنِي الله إِياه”، فيُكلم موسى ربه ويقول: “يا رب كَتبتَها عَقِيم”! فيقول الله عز وجل وعلا: “يا موسى كلما كتبتُها عَقِيم، قالت يا رَحيم، كلما كتبتُها عَقِيم، قالت يا رحيم، فسبقت رحمتي قُدرتِي”، فلا تقطعنَّ الأملَ في الله، ولا تيأسنَّ من رحمتهِ وقدرتهِ، عَسى أن يُفرِّج الكُرباتِ، ويقضِيَ الحَاجاتِ، ويَمنَّ على الجميع بالذُرية الصالحة المُعافاة.

بقلم: آية أبو الفتوح