ثمن الحرية

لماذا تندفع الكلاب بشراسة لاسترجاع عظمة لن ينالوا منها شيئًا؟ بل ستذهب كلها إلى كبيرهم!



ليلة أمس -ككل ليلة- أسيرُ عائدًا إلى البيت، أسيرُ منهمكًا بالتفكير في قضية حسَّاسة أرهقت الكثيرين، وتسبَّبت بكثيرٍ من الأزمات، وكانت مدعاة لكثيرٍ من الحروب، وأُريقَ على ضِفافها الكثير من الدماء.

أثناء السير أنظر بجواري فأرى مشهدًا عادةً ما تراه في الطرقات: مجموعة من الكلاب تتشاجر، ولكن هناك شيئًا ملحوظ، أن الكلاب جميعا تضطهد كلبًا واحدًا، وأن هناك كلبًا آخر يبدو قائدهم، ثم أخذ الشجار منحى آخر عندما التقط أحد الكلاب عَظْمَة من الأرض؛ فاندفع بقية الكلاب على رأسهم ذلك القائد مهاجمين لذلك الكلب.

حينها أدركت ماذا فعل الكلب الأول لكي يصبح ضحية، وأدركت أيضًا إلى من ستؤول تلك العظمة، ولكن راودني تساؤل مُحير:

لماذا تندفع الكلاب بشراسة لاسترجاع عظمة لن ينالوا منها شيئًا؟ بل ستذهب كلها إلى كبيرهم!

وما الدافع الذي جعل الكلبين المستهدفين يسيران عكس التيار ويتحديان الجميع بالخروج عن القواعد؟

إن هذا المشهد كثيرًا ما نراه في الدوائر المجتمعية على اختلاف حجمها ونوعها؛ فقد تكون هذه الكلاب مجموعة من الأطفال في مدرسةٍ ما، أو قد تكون بعض الأفراد في شركة أو جماعة ما، أو حتى أفرادًا في عصابة، وبالإمكان أيضًا أن يكونوا شعبًا لدولة ما.

لماذا يأخذ الكلب الأكبر كل شئ لنفسه و-رغم ذلك- تتبعه الكثير من الكلاب؟ لماذا يحاول البعض منها المطالبة بحقوقه والسير عكس التيار رغم معرفته بالعواقب؟

ولكن السؤال الأهم هو: أي من الأصناف الثلاثة قد يكون السبب في وجود الصنفين الآخرين؟

إن القضية التي نحن بصددها تأصلت مما يعتقده المرء عن نفسه و عن الآخرين؛

فالصنف الأول -الكلب الأكبر- شخصية متسلطة ملأها الكِبْر والطمع؛ لا يهتم بالآخرين -ما لم يُشكِّلوا تهديدًا عليه- بل إنه يراهم كالحذاء الذي يرتديه أو كالأرض التي يمشي عليها، فإذا كانت الأرض مستوية فهي جيدة لوطئها، و أمَّا إذا كانت وَعِرة غير ممهدة وجب محوها.

أما الصنف الثاني -مجموعة الكلاب- فهي نفوسٌ استمرأت الذل واعتادت على لعق الأحذية، لا يُكَّلِفون أنفسهم جهد المطالبة بحقوقهم، أو حتى رفض الذل الواقع عليهم؛ شخصيات ضعيفة خافت من المجهول واختاروا أن يكونوا مع الجانب الأقوى مهما جار عليهم و تَجَبَّر؛ فجبنوا عن قول (لا) اعتقاداً منهم أن وضعهم سيزداد سوءًا إذا لم يرضوا بما هم عليه، بل إنهم يقفون ضد كل من يعارض (الكبير) أملًا منهم أن يجدوا استحسانه أو يظفروا برضاه.

قد يعتقد البعض أن الكلاب الضعيفة وُجِدت نتيجة وجود الكلب المتسلط، لكن وجود الصنف الثالث يكشف الأمر؛ الصنف الذي أبى الذل والهوان، و أبى أن يعيش تحت وطأة الظلم والطغيان، وضحى بالغالي والنفيس في سبيل انتزاع حقوقه والحصول على حريته، فأبوا إلا العيش بكرامة أو الموت في سبيل ذلك، فدفعوا حياتهم رخيصة ابتغاءً لنيل الحرية.

نعم يا سادة، إن قضيتنا أغلى من ذلك، فمهما كان الثمن فهو رخيص، ودفعه أفضل بألف مره من العيش ساعة واحدة في الخنوع والذل.

هذا هو الذي دفع الكلبين لتحدي التيار، ليس لرغبتهم في الحصول على العظْمة؛ بل لأنهم رفضوا السير وسط قطيع العبيد.

مقال:هيثم الجزار.