بيقولوا عنك ندل ….

وإن لم يكن الغضب على أرضٍ تُسلب فمتى نغضب؟ ويا ليتها تُسلب من عدو، المؤلم أنها تُترك هباءًا بيَدِ مَن كُلِّفوا بحمايتها!



لا أعلم كيف يعتقد البعض أن الرجولة والدَيَاثة قد يجتمعان في آنٍ واحد! ما أعرفه أن الرَجلُ يُعاب إن فقد غِيرَتَه، أمَّا أن يُوجَّه إليه التُهم لأن غِيرَتَهُ دفعته أن يصرُخ بما في صَدرِه، فأخبرني كيف يمكن للمرء منَّا الثبات على ما تبقى من عَقلِه بعدها؟

فكَّرتُ مليًا، تُرى ما هو الخطر الذي يستطيع أربعة شباب جامعيين أن يُعَرِّضُوا المُجتمع لهُ ليحاول الأمن الوطني حمايتنا منهم والتكلَّف بالقبض عليهم من فراشهم ليلًا؟ وإن لم يكن الغضب على أرضٍ تُسلب فمتى نغضب؟ ويا ليتها تُسلب من عدو، المؤلم أنها تُترك هباءًا بيَدِ مَن كُلِّفوا بحمايتها!

أخبرني حينها كيف يُطلقُ على الرجلِ منهم رجلًا إن لم ينتفض من حسرته؟! أم أنَّ الغضبَ خيارٌ مرفوض!

أعتقد أنه من الممكن الآن أن نُنحي الهَرم الأكبر من قائمة (عجائب الدُنيا السَبعْ) ونترك المشهد الحالي ليتصدَّرها، وأعتقد أيضًا أننا أصبحنا بحاجة لبناء بعض المصحَّات النفسية حتى نحاول أن نتخطى تلك الأحداث “الفردية”.

“ولما هتجوز ويجيني صهيوني راح أجوِّزه بنتي، ما انا خوفي أدِّيها لعربي يسرِّحهَا! ماغارْش على بلدُه.. هيغير على بنتي؟!” – هشام الجخ

الرَجُل حقًا من عَرفَ الحق فجَهَر به وتحمَّل له المهالك؛ كما صَرخَ بلال في وجه سيِّدهُ أُمية بن خلف دونَ خوفٍ من سُلطةٍ أو بطش، وكما صرخت قلوبُ تلك الشباب آملين أن يُسمع صَوتَهم، بدلًا من ذلك وحتى بدلًا من تجاهلهم لم يُتركوا ليُلَمْلِموا شتاتَ عقولهم بين أهلهم أو ليحاولوا المُضىَّ في دراستهم التي أصبحت مستقبلًا محاه الضباب، بل أُجبروا على أن يمضوا -كما غيرهم- في طريقٍ لا يعلم أحدٌ متى وكيف ينتهي.

بلى، عندما يتملَّك أحدهم حُب الوطن لا يبالي بأي شئٍ آخر، لا تُخيفه الزنازين ولا تساور قلبَهُ الأنانية التي تقتضي أحيانًا أن نكتفي بوضع ألسنتنا في أفواهنا، يُجرد نفسَهُ ورُوحَهُ من كلِ مشاعره وأفكارهِ ويترك زِمام الأمور ليقودَهُ الحُب لا ليقيِّدهُ الخَوف.

“يحتاج الراقص للجمهور.. تحتاج السلطةُ للشعب.. لكنَّ الثائر حين يثور.. لا يعبأ إلا بالحب” – أحمد دومة

إن تركنا الحُكم كاملًا للمنطق تجد أنهُ من الطبيعي أن نُصاب بالإحباط أو الفزع عندما نفقد زُملائنا واحدًا تلو الآخر ولا نعرف حتى مَصيرَهم، لكن ما ازددت إيمانًا به خلال تِلك الأيام أنه كُلما زاد عدد المُعتقلين رغبةً في كتم أصواتِهم، كُلما زادت الألسنة بالهتافات واستفاق الكثيرون. فالظلم دومًا غبيْ، والزنزانة تأتي بنتائج عكسية؛ يُزج بالآلاف في السجون لتكميم أفواههم فيثور الآلاف بالخارج، تُغطي أعينهم لأيام -بل قل لأسابيع- فتصبح الناس أكثر بصيرة، يُقيدون؛ فيتحرر الناس من غفلتهم.

أمَّا عن المُعتقلين –أنفسهم- فأحيانًا قد يُعلّقون بين التأجيل والآخر بلا حكمٍ واضح، لا يُعطِي لهم أحدٌ وعدًا بالخروج أو بالبقاء، يقضون أوقاتهم في تأهيل أنفسهم لما رسموه لمستقبلهم الذي لا يعلمون متى سيتم استئنافه، في الأغلب يُزيدهم الحَبس تمسُكًا بمبادئهم، وإلَّا لَمَا سَمعتَ عن “معتقل الـT-shirt” يخرج بعد حبس دامَ لأكثر من عامين فتكون أول كلماته التي ينشرها للناس (وطن بلا تعذيب)؛ تلك الجُملة نفسها التي كانت سببًا في أن يقضي أكثر من سبعمائة يومٍ بين جُدران الزنزانة!

أو لَمَا سمعت عن كثيرٍ ممن يُصرُّوا على استكمال دراستهم فيحصلون على تقديرات لم يستطع غيرهم ممن ينعموا بحُريتهم الحصول عليها، وإن كُنت قريبًا أكثر فقد تكون سمعت عن بعض حفلات الخِطبة التي تتم في زياراتِهم التي لا تتعدي مُدتها العشر دقائق!

“النور مكانه في السجون” – ماهينور المصري

 المُبهر حقًا في كل ذلك أن يصل أحدهم في حُبِّه وانتماءه حدَّ الجنون؛ أن يُلقي بنفسِه إلى التَهلكة مُتحديًا عواقب اختياراته وغير آبه بكل التهديدات التي تُحيط به، لتكون حصيلة المنفعة التي يجنيها على نفسه في النهاية “لا شئ!”.

حاولت أن أُعَدِدَ أسبابًا قد تدفعُ المرء منَّا لذلك، لم أعثر على مُبررِ واحد! ثم تذكرت أن الحُب المشروط بأسباب ليس صادقًا، فإن كان ذلك؛ انتهى الحُب بانقضاء الأسباب. أما الحُب الغير مفهوم الذي قد يدفع صاحبَهُ لأن يكره نفسهُ أحيانًا من فرط تَمَسُكٍه به هو الذي يكون نقيًا نابعًا من وريد القلب، لا من شهوات العقل والمصالح.

“بلادي بلادي بلادي.. لكِ حُبي وفؤادي

مصر يا أم البلاد.. أنتِ غايتي والمُراد” – النشيد الوطني المِصري

في النهاية أتوجه برسالة أخيرة إلى كُل من يعني له أمرُنا حقًا من أصحاب الفخامة المسئولين، وذلك على غِرار الممثل الراحل أحمد زكي في أحد أفلامه: 

سيِّدي الرئيس

شبابٌ من الذين حُكم عليهم أن يكونوا ضمن المساجين رأيتُ فيهم المستقبل الذي يحمل لنا طوق نجاة حقيقى، رأيت أنَّه يُحبس دون أن يهتز لكم جِفن وأنتم متصورون أن هذه هى طبائع الامور.

إنَّ هذه جريمة كُبرَى لابُدَّ أن يُحاسَب من تَسبَّب فيها، إنِّي لا أطلب سوى مُحاسبة المسؤلين الحقيقين، لسنا أصحاب مصلحةٍ خاصة، وليس لنا سابق معرفة بالشخوص الذين نطلب مسائلتهم، لدينا مستقبل هُنا نريد أن نحميه! نطالب المسئولين عن هذه الكارثة بالمثول أمامكم، فهل هذا كثير؟ أليسوا بشرًا مِثلُنا؟ أليسوا قابلينَ للحِسَاب والعِقَاب مِثلَ باقي البشر؟

سيِّدى الرئيس، أنا ومعى المستقبل كُلَّهُ نُحمِلَكم المسئولية كاملةً، وننتظر كَلِمَتَكم لِنَسمع حُكمُكم في مِثل هذا الموقف.

والله المُوفِّق والمستعان..