العصافير المُهاجرة وأزمة الوطن

وكيف أصبحت الغربة فرصة لشبابنا الذين لم يعد ثمار هذا الحلم بالنسبة لهم هو (تحويش قرشين)؛ وإنما تلخص الحلم الأسمى في حياة كريمة آدمية تحفظ الكرامة؟



غُربة، اِرتحال، اِغتراب، هِجرة، كلها مُرادفات لفعل مادي يخطو نحوه عدد ليس بقليل من شباب مصر وهو السفر للخارج، حيث أُجبِر شبابُنا عليها بعد عدة محاولات للبقاء في الوطن، وما الهجرة إلا صحبة غائبة لا تعوض، وهروب من الواقع لحياة أحادية مليئة بالوحدة والوحشة والافتقاد والمسئوليات المتراكمة، فمهما تميّز المهاجر بشخصيته الاجتماعية القابلة للتأقلم مع اختلاف البيئات وتعدد أنماط البشر؛ تظل الغربة هي الشيء الوحيد الذي تختاره بإرادتك لكنك مجبر عليه.

وإذا تطرقنا للظروف النفسية التي تربط المُهاجر عامة -أيًا كانت جنسيته، فإن الهجرة -في حد ذاتها- تُٰعد فكرة مخيفة لشبابنا، مما يجعلهم أكثر عرضة للحط من الكرامة، وقبول الإهانة والتنكيل أو الترحيل عند اعتراضهم على أية إجراءات تعسفية قد يتعرضون لها، وهذا ما يتسبب في ضغوط نفسية مؤلمة أشد فتكًا بالإنسان من المرض العضوي، فتصبح الفكرة وبحق مرعبة للكثيرين في حالة اللجوء إليها مضطرين ساخطين على أحوال الوطن وسياسة الفرص الضائعة التي ينتهجها معهم.

وعلى الرغم من أن تجارب المصريين في الخارج، وتحديدًا في فترة الستينات والسبعينات تحمل العديد من قصص النجاح التي تم توثيقها، وإن لم يحمل الكثيرون منهم مؤهلاً عاليًا، أو يكن قادرًا على التحدث بلغة أجنبية ثانية مثلما يستطيع غالبية الحاصلين على مؤهلات عليا التعامل بالإنجليزية على الأقل الآن، لكن يبدو أن اختلاف الأمر عما كان عليه سببه نقص الاحتياج للعنصر البشري عما كان سابقًا، واختفاء الحِرفيين الذين اعتادت كل من ألمانيا والنرويج وإيطاليا التسابق عليهم، وتشبع دول الخليج العربي بالمعلمين والأطباء والمحاسبين بنسبة كبيرة ، الأمر الذي يجعل مهمة شبابنا في الخارج تجربة مليئة بالصعاب؛ نظرًا لكونهم أمام خيارين: فإما القبول بوظائف متدنية الأجور، أو التخصص في مجالات مازالت بعيدة عن دولة المقصد أو يقل بها عدد المتخصيين، مما يعني محاولة استرضاء جهة العمل -أيًا ما كانت الدولة- للعامل المصري، والحفاظ على وضعه الاجتماعي وكرامته، فهي علاقة تتناسب عكسيًا مع مدى قلة تخصصه واحترافيته فيه واحتياج الدولة له.

ومن ناحية أخرى، فإن الحديث في مصر لا يكاد ينقطع عن الأسباب التى تؤدي إلى هجرة العقول، وهناك المئات من المقالات التي رصدت واقع الأسباب الرئيسية لمشكلة هجرة العقول المصرية، وخطرها على المجتمع المصري، والتى تكمن مابين: ضعف نظام التعليم، وغياب الانفاق على البحث العلمي، حيث تنص المادة 23 من الدستور المصري لعام 2014 بأن “نسبة الانفاق الحكومي على البحث العلمي 1% من الناتج الحكومي، تزداد تدريجيًا حتى تصل إلى المعدلات العالمية “.

ولعل ثورة الخامس والعشرين من يناير 2011 كانت الحدث الأولى بأن تتخذ الدولة بعده السياسات المتبعة دوليًا من قبل القُوى الاقتصادية الكبرى، باستغلال العقول الشابة في إدارة المؤسسات، وإعادة تخطيط الوطن من جديد، ورسم ملامحه بسواعد وعقول شبابه بدلًا من اعتناق فكر لم يعد له وجود في أوروبا وأمريكا منذ أكثر من مائة عام، وكما في عدد من الدول العربية وهو المتمثل في الاهتمام بذوي الخبرة من أصحاب السبعين عامًا قبل الابداع، وهو مالم تتبعه دولة الإمارات العربية المتحدة على سبيل المثال، أو كوكب الإمارات الشقيق كما يطلق عليها الشباب المصري، ويمكنك وأنت تسير في شوارع دبى من قراءة واحدة من الجمل الشهيرة للشيخ محمد بن راشد آل مكتوب على أبنيتها الشاهقة، وهي “الابتكار في الحكومات ليس ترفًا فكريًا أو تحسينًا إداريًا أو شيئًا دعائيًا، بل هو سر بقائها وتجددها، وهو سر نهضة شعوبها، وتقدم دولتها”، وهذا هو سر الفجوة التي تتسع يوميًا بيننا وبينهم.

ومع استمرار التهميش المستمر للشباب في ظل الادعاء باحتوائهم، دُفع شبابنا لكي يتناسى تدريجيًا شعوره بالانتماء، وتنامى فقدان الهوية والافتقار لغيرته على سمعة بلاده بين نظيراتها، مقارنة بشباب آخرين هجروا الوطن، ويحاولون التعامل بأرقى الطرق ليعكسوا صورة راقية لبلادهم أمام الشعوب الأخرى.

“لكن برضه عيب إني ألوم اللي سافروا
وتعبوا وعافروا
وآمنوا بوطنهم لحد ما كفروا
أكيد هما يعني قلوبهم بتبكي
مفيش حد عاقل بيتمنى غربة!
لكن لو بلدهم بتقتل بقسوة
فلازم هيمشوا مادام هي تربة”
-عمرو حسن-

وإذا كانت الظروف لا تصنع أشخاصًا، وإن كانت تكشف شخصياتنا كمصريين، فعند اتخاذ القرارات تُمحى الشخصية، وتقف العوائق سدًا منيعًا، فهناك ما يقرب من ٨ ملايين مصري مغترب، يُقدر ٧٠% منهم في دول الخليج، هذه النسبة قد تكون هينة إلى البعض ومرعبة في أعين آخرين، ولكنها في الواقع نسبة مرعبة؛ فهناك دول لا يصل عدد سكانها إلى ذات الرقم المشار إليه، ولكن مصر مستمرة في تصدير أبناءها للخارج في إصرار وتعنت.

لماذا تظل فرصة السفر والهجرة أو العمل بدول الخليج وأوروبا وأمريكا هي الحلم الأسمى في مجتمعنا؟

وكيف أصبحت الغربة فرصة لشبابنا الذين لم يعد ثمار هذا الحلم بالنسبة لهم هو (تحويش قرشين)؛ وإنما تلخص الحلم الأسمى في حياة كريمة آدمية تحفظ الكرامة؟

كيف أصبح الشباب في مصر يعملون ويطورون أنفسهم للآخرين وليس لبلادهم؟ وكيف أصبحت المزايدة عليهم أسهل الطرق للهروب من المسئولية تجاههم؟

ولقد أصبحت نماذج هجرة العقول المصرية الشابة حديث المنتديات والصحف العربية والأجنبية، وأقرب أمثلة على ذلك المبدع والمبتكر المصري أحمد الطماوي، صاحب فكرة وضع إعلانات على تذاكر المترو الذي يتم تنفيذ فكرته حاليًا في دولة الإمارات الشقيقة، التي تبنت الفكرة ودعمتها ونفذتها فورًا بعد رفضها في مصر في عهد وزير النقل السابق هاني الضاحي؛ بحجة تعارضها مع لوائح وقوانين هيئة المترو، والمخترع المصري مصطفى الصاوي الذي اخترع جهازًا لتوليد كميات كبيرة من الكهرباء من المياة، وقام برفع علم دولة الإمارات بعد حصوله على الميدالية الذهبية في المعرض الثامن للمخترعين المُقام في دولة الكويت، بعد أن فشل في السفر إلى لندن وسويسرا من قبل للمشاركة في مؤتمرات ومعارض للمخترعين بسبب الإجراءات الروتينية للسفر، وجديرٌ بالذكر حصول الأول على وثيقة سفر إماراتية، وحصول الثاني على الجنسية الإماراتية، وهناك الكثير من الأمثلة المشابهة لشباب مصري الذي خاض تجربة الاغتراب في الكثير من الدول ونجح في إثبات ذاته.

وإذا قمنا بعمل مسح بالأرقام خلال السنوات القليلة السابقة، فقد أكدت دراسة صادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء بالتعاون مع أكاديمية البحث العلمي عام ٢٠١٠ وجود ٥٤ ألف عالم وخبير مصري في الخارج يعملون في مختلف التخصصات العلمية، من بينهم ١١ألفًا في تخصصات نادرة، و٩٤ في الهندسة النووية و٣٦ في الطبيعة الذرية و٩٨ في الأحياء الدقيقة و١٩٣ آخرون في الإلكترونيات والحاسبات والاتصالات، وبيّنت الإحصائيات أن أمريكا تحظي بالنصيب الأكبر من الكفاءات والعقول المصرية المهاجرة بنسبة ٣٩%، تليها كندا بنسبة ١٣.٣% وتأتي إسبانيا في المؤخرة بنسبة 1.5%.

وتؤكد الإحصائيات ذاتها أن عدد العلماء المصريين بالخارج من ذوي التخصصات النادرة يقدرون بنحو ٦١٨ عالمًا، منهم ٩٤ في الهندسة النووية، و٢٦ في الفيزياء الذرية، و٤٨ في الكيمياء، و٢٥ في الفلك والفضاء، و٤٨ في البيولوجي والميكروبيولوجي، و٤٦ في استخدامات الأشعة السريمية، و٢٢ في الجيولوجيا وطبيعة الزلازل، و٦٧ في المؤثرات الميكانيكية، و٦٦ في الكباري والسدود، و٩٣ في الإليكترونيات، و٧٢ في استخدامات الليزر، و٣١ في تكنولوجيا النسيج.

اليوم أصبحت الغربة حلمًا لكل شاب بعد التخرج لينعم بحياة أدمية، وهي فاجعة نفسية يدركها على مراحل، ولا يعيها إلا بعد انتهاء الأسئلة الملحة، التي لن نكون هنا يومها لنعرف إجابتها في الوقت المناسب.

وأخيرًا، فإن الوطن يمر بأزمة حقيقية لا تقل عن مكافحة الإرهاب، وإعادة السياحة، وبناء الاقتصاد، وجميعهم متصلين ببعضهم البعض، يحتاج من خلالها أن يعيد الوطن ترتيب أوراقه بمنتهى الحياد، وبعيدًا عن المجاملات والعبارات والشعارات غير المجدية، ثم يقوم بحوار جاد ومنظم مع الشباب من خلال آليات تضمن مشاركتهم الفعلية غير الشكلية في إحياء الوطن خاصة أصحاب الخيال والإبداع منهم، أصحاب الرؤى المفتوحة التي لا تعطلهم أرقام أو حسابات سياسية أو طموحات في القرب من السلطة أو جفاف الأفكار المرتبط بكراسٍ وظيفية ليضعون تصورًا كاملاً لما يجب أن نقوم به لننهض بهذه الأمة قبل فوات الأوان.

 مقال: كاميليا عماد.