بعد عُمرٍ طويل

كُنّا صغارًا، حياتنا اللعب وعالمنا لا يخلو كل يوم من تجربةٍ جديدةٍ أو معلومةٍ غريبةٍ، خيالنا خصبٌ ونفوسنا نقيّةٌ، مَن منّا لا يرغب في أن يعود طفلاً بلا مسئوليات؟



كُنّا صغارًا، حياتنا اللعب وعالمنا لا يخلو كل يوم من تجربةٍ جديدةٍ أو معلومةٍ غريبةٍ، خيالنا خصبٌ ونفوسنا نقيّةٌ، مَن منّا لا يرغب في أن يعود طفلاً بلا مسئوليات؟

أذكر الكثير مما حملته طفولتي من ذكرياتٍ جميلة وراحة بال، لكنّي أذكر أيضًا أنني لم أستطع أن أعبر شارعًا عرضه بضعة أمتار دون أن أمسك يد أحدٍ من الكبار، عجزت عن الخروج من منزلي وحيدًا، وعجزت حتى أن أُلبي أبسط حاجاتي، لم يُسمح لي أن أستخدم سكينًا لأُعد لنفسي أبسط ألوان الطعام، كنا جميعًا على هذا الحال في سنوات الطفولة، وبكينا كثيرًا لنعبر عن ضعفنا وقلة حيلتنا، لكننا نتناسى ذلك ولا نذكر إلا ما نفتقده اليوم، لا نذكر إلا ما يتعلق بالراحة واللعب وانعدام المسئوليات.

مُر معي سريعًا على سنوات المدرسة، وكم كنت تستفسر عن سر دراستك لأشياء أدركت بسهولة أنك ستنسى معظمها ما إن تنفك علاقتك بوزارة التربية والتعليم، كبرنا وكبر معنا الشوق للحياة الجامعية، وسعينا جاهدين للخروج من عنق الزجاجة وعبور الثانوية العامة لنعيش حلم الجامعة.

وها نحن الآن في الجامعة! تختلف كليًا عما رُسم في أذهاننا من قبل، وأمنيات العودة لزمن الراحة الجميل صارت تطاردنا، كبرنا فجأةً دون أن نعرف متى مرت كل تلك السنوات التي لا شك في أنها كانت تملك طابعها الخاص من الجمال، لكننا نتغافل دائمًا حقيقة أنها كانت بعيدة عن المثالية، وأن الحياة أعطتنا الآن بعضا مما سألناها إياه سابقًا بإلحاح لكنها نزعت منا في المقابل بعضا آخر مما رغبنا أن نملكه طوال حياتنا، كما كان يحدث دائمًا، كل ما مررنا به في مراحل الحياة حَمل وجهين: أحدهما جميل والآخر قبيح.

أحاول الآن أن أعبر مرحلة الجامعة بسلام لكني أصطدم كثيرًا بمن أكمل سنوات التعليم ليخبرني بأني الآن أعيش أجمل أيام حياتي وأن كل ما يعكر صّفو أيامنا الجميلة هو فُتات لا يُذكر، وأن التخرج باب للجحيم بلا لذّات، فأشعر وكأنه يتناسي عن قصد أنه يملك بابًا عريضًا من الحرية فتحه له استقلاله بنفسه، وأن عليه أن يتحمل المسئولية في المقابل ويتخلى عن بعض اللّذّات.

أصبحت أرى أن حياتنا أشبه ما يكون برحلة النهر، نسقط في أولها مع حبّات المطر ونجري مع التيار، وعلى ضفتيّ الحياة أشكال وألوان من المشاهد التي تملك أرواحنا، قد لا تتكرر فنتوق للعودة لكن لا مجال للسباحة ضد التيار، قد يبهرك أحد المشاهد على الضفاف فترغب في أن تترك التيار أملاً في البقاء فيه، لكن إن تركت التيار ستُدرك سريعًا أنك أضعت وقتك وأن كل ما تفعله هو السماح لفوج من السابحين خلفك أن يسبقك، وأن مشاهد الدنيا ساحرة، لكن سحرها يخفُت إذا بقينا فيها أكثر من اللازم.

استمتع بالحالة المتفردة التي يقدمها لك كل مشهد في حياتك، واستقبل القادم بالترقب لا بالخوف، واعلم أن تنقلنا بين مراحل الدنيا هو ما يبقينا أحياء، وأن الراحة التامة والنعيم المطلق لم يهبطا أبدًا إلى الأرض ولن نُمنح أيًا منهما إلا في جنات الخُلد، بعد عُمرٍ طويل.