لحظات الخوف

اللحظة تقتضي أن أحدثكم عن لحظات الخوف، بعد أن تمَّ القبض على ثلاثة طلاب.



منذ عدَّة أيام تحدَّثت بتهكم عن خطوات “كيف تظفر بفتاة” يائسًا من الوضع العام، إلا أنَّ اللحظة تقتضي أن أحدثكم عن لحظات الخوف، بعد أن تمَّ القبض على ثلاثة طلاب من قِبَل رجال أمن أخبروهم وقت القبض عليهم بأنهم “بتوع تيران وصنافير”، على خلفية تظاهرة سلمية شارك فيها هؤلاء الطلاب تنديدًا بتسليم جزيرتين تدَّعي السعودية ملكتيهما.

اللحظة الأولى: يناير 2011

12243020_10153055937562581_1237785143405673654_n

كانت لحظة الخوف الأولى، ليل يوم 28 يناير 2011، كُنا نفرُّ من شارع إلى الآخر هربًا من الغاز المُسيِّل للدموع الذي كان يُطلَق علينا بغزارة، كُنا نُعيد تنظيم الصفوف من وقت لآخر، يومها سقطت صديقتي خلفي وقد كانت هي آخر الهاربين، يومها أصابني الخوف بأنْ أكون في موقفها التي تُحسَد عليه، ولم أكن أستطع في ذلك الوقت مع جسمي الهزيل أن أحملها، ولم يكن يظهر في الأفق أي مساعدة، هكذا ومن دافع ألَّا يحدث ذلك لي يومًا أخذت أسحبها من يديها وهي فاقدة للوعي تقريبًا حتى ظهرَ في الأفق شابَّين ساعداني على حملها، فتركتها لهم، لأحاول أنْ أخرِج ما في صدري من غاز بعد أن كُنت أحاول سحبها.

 بعد ذلك حاولت أن أعود إلى المنزل، فشاهدت قُطَّاع الطرق يفرضون الإتاوات على السيارات المارة على الطرق السريعة والطرق الرئيسية، يومها مساءً اعتراني الخوف مما فعلنا، شعرتُ لوهلة بأنَّنا رُبَّما انجرفنا وجعلنا البلد تسقط في بحر من الظلمات.

اللحظة الثانية: فبراير 2011

14970493

كانت اللحظة الثانية، بعد خطاب الرئيس الأسبق مبارك، ليلة الأول من فبراير، وهو الخطاب الثاني منذ اندلاع ثورة 25 يناير، والذي وُصِفَ وقتها بالخطاب العاطفي، حيث تحوَّلت المشاعر حينها من رغبة في زوال النظام ورأسه، إلى مشاعر شفقة ورحمة بالرجل الذي ضحَّى من أجل وطنه والذي لم يكن ينتوي الترشح لفترة رئاسية قادمة.

أنهى مُبارك خطابه حينها بعبارة: “إن الوطن باقٍ والأشخاص زائلون .. مصر العريقة هي الخالدة أبدًا .. تنتقل رايتها وأمانتها بين سواعد أبنائها .. وعلينا أنْ نضمن تحقيق ذلك بعزَّة ورفعة وكرامة .. جيلاً بعد جيل”، وهو الأمر الذي أدَّى وقتها لانقسامات عديدة في الشارع بين مؤيد لاستكمال الاعتصام في الميادين المختلفة وبين الرحيل لأن الرئيس سيرحل بكرامته في سبتمبر القادم، إلا أن موقعة الجمل الشهيرة أعادت توحيد الصف مرة أخرى، زال معها لحظة الخوف تلك.

اللحظة الثالثة: يوليو 2013

10502243_10152092700272581_8499465702428026988_n

يوم 26 يوليو، طُلِبَ منِّي وقتها أنْ أكون المراسل الميداني الذي يُعطي تقريره على الهواء من منطقة الاتحادية، كان هو اليوم الذي دعا فيه الرئيس الحالي وقت أن كان وزيرًا للدفاع في حكومة الرئيس المؤقت عدلي منصور، جُموع الشعب للنزول إلى الميادين لتفويضه لمكافحة الإرهاب وإن بدا للجميع أنه يُريد التفويض لفض اعتصاميْ رابعة العدوية والنهضة التي أقامتهما جماعة الإخوان المسلمين الإرهابية –بحكم قضائي-.

تلقَّيت في ذلك اليوم مكالمة هاتفية تُطالبني بألا أتحدث بأي شىء يُعيب الجيش، أو يُعيب المواطنين المُلبِّين لذلك النداء، أن أتغاضى عن حالات التحرش الجماعي، أن أتغاضى عن أي سلبيات، قيل لي يومها “نحن مع السيسي، نحن مع الجيش!”، كانت لحظة فارقة، انتابني فيها الخوف أن أفقد نفسي وضميري إن تغاضيت عن أي سلبيات شاهدتها ذلك اليوم، أو أن أكون من قطيع الـ****** الذين سيهلِّلون وينافقون.

كانت لحظة الخوف حاسمة وقاطعة، كانت اللحظة الذي ستختار فيها الطريق الذي ستسير عليه لفترة طويلة، أنتهت تلك اللحظة وأنا أخبر المُتحدث: “نحن لسنا مع أحد، ما سيحدث سيُنقل لا زيف فيه”.

اللحظة الرابعة: أغسطس 2013

993621_10151446519937581_1027895211_n

كان يومًا سيئًا، اتَّفقنا، اختلفنا، سقط الكثيرون في دمائهم، سقط القتلى من جانبي على بُعْد أمتار قليلة، ودَدت لو انحرفت الرصاصات قليلًا لتقتلني بدلًا من أن أفقد آدميتي ومشاعري للأبد بعد ذلك اليوم.

 كُنت مُكلَّفًا كغيري من الزملاء بتغطية فض اعتصام رابعة العدوية، في مساء تلك الليلة انتابني الخوف، الخوف من أن أُقتل لإيماني بشىء ما حتى لو كنت مخطأ في ذلك الإيمان.

اللحظة الخامسة: يناير 2014

1544930_10151791663312581_1575320224_n
تم اعتقالي أنا وزميلي في العمل لثلاثة أيام أثناء دخولنا إلى مدينة الإنتاج الإعلامي بعد أن وجدت الداخلية بعض المُلصقات الصفراء المطبوع عليها علامة رابعة، حاولنا أن نستدرك الأمر معهم لنخبرهم أنها مُلقاه ربما دون علمنا، نحن مراسلين ميدانيين فربما غطينا صحفيًا مظاهرة داعمة وألقينا بما حملناه معنا، إلا أن تلك المبرِّرات لم تخمد من عزيمة الضابط الذي ربما أراد اختلاق قصة منع إرهابيين من دخول مدينة الإنتاج الإعلامي، ولم تشفع لنا بطاقات هوياتنا الصحفية في دحض قصته الخيالية.

لم أشعر بالخوف قط طوال تلك الأيام ونحن نُعرَض على النيابة مرَّتين ولا عن تلك الليلة التى قضيناها في زنزانة باردة وحدنا، ولا الليلة التى تلتها ونحن ننام بضع ساعات في زنزانة ضيقة تتكاثر الأنفاس فيها، الرعب والخوف الذي انتابني، لحظة كان الكاتب الخاص بمكتب رئيس النيابة فوق سطوح مبني نيابة ٦ أكتوبر يكتب أوصافنا الجسدية في محضر النيابة موجهًا التهم الذي يكتبها بصوت عالي إلينا؛ التحريض على قلب نظام الحكم، توزيع منشورات ومُلصقات تُحرض على العنف ضد الجيش والشرطة، حرق مُدرعة خاصة بالشرطة!، ثم مصمص شفتيه ونظر إلينا وأخبرنا بصدق “شباب صغير زي الورد، مالكم انتم ومال الحاجات دي .. مش تشوفوا واحدة تصاحبوها وتناموا معاها، ولَّا تشربوا حشيش وبيرة”. لحظة الخوف من أن يكون كلامه صحيحًا.

اللحظة السادسة: أغسطس 2015

Untitled

هاتفني مكتب القاهرة الخاص بقناة BBC داعيًا إياي للظهور كصحفي ومراسل شارك في التغطية الصحفية لفض رابعة العدوية في ذكرى الفض، يومها شعرت بالخوف، الخوف من ألا أوفق في سرد الحقائق، وازداد خوفي أكثر، بعد مقدِّمة رئيس مكتب الصحفي أكرم شعبان وهو يبدأ الحوار بجملة: “هذه شهادة ربما للتاريخ”.

ما أتذكره جيدًا أن خوفي بدأ يخف تدريجيًا، بعد أن سألني في وسط الحوار، هل بكيت ذلك اليوم؟ فأجبته بصدق وحرارة “نعم، أي صحفي، أيًا كان اتجاهه، أيًا كانت توجهاته السياسية، فهو منعدم الإحساس والضمير، إن لم يبكِ في ذلك اليوم”.

 لمشاهدة اللقاء هُنا.