إن الإنسان يعتاد كل شيء .. يا له من حقير

لا أعلم إلى الآن هل هذا شئ يدعو للسعادة أم الحزن، لكن ما أعلمه أن تقريبًا كل شئ تعلقت به بالأمس هو اليوم في قائمتي السوداء، و إن عاد بي الزمن فإن اختياراتي التي



بالصدفة -التي يبدو أنها كانت مقصودة- وقع في يدي (ميموري) يحمل بعض الصور منذ عدة سنوات مضت، قضيت وقتًا طويلًا أشاهد تلك الصور بضحكات ساخرة نعتادها عندما يشاهد أي واحد منَّا صورًا قديمة له، حتى أتت تلك الصورة التي توقفت عندها طويلًا، في البداية ذهلت كأني لم أرها من قبل!

ثم استرسلت في الضحك مرة أخرى لكن بنبرة متغيرة ودموع خفيفة أبت ألا أن اتخلص من تلك الصور حتى لا أفكر طويلًا.

وضعت هاتفي جانبًا -وبالفعل- بدأت في دوامة التفكير الطويل، من تلك؟ وكيف كانت كذلك! ومتى أصبحت هكذا؟

لم أستطع مطلقًا أن أحدد متى تغيرت، كل التغيرات كانت بشكل تدريجي بطيء وكأنها خطة كونية حتى لا أدرك متى حدث هذا؟

لا أعلم إلى الآن هل هذا شئ يدعو للسعادة أم الحزن، لكن ما أعلمه أن تقريبًا كل شئ تعلقت به بالأمس هو اليوم في قائمتي السوداء، و إن عاد بي الزمن فإن اختياراتي التي قررت -بنفسي- أن أختارها في الماضي ستكون الآن هي أول الاختيارات التي سوف أستبعدها تمامًا!.

أتعجب، كيف أدعو الله أن يجنِّبني شيء وأكتشف أني في الماضي لم أكن أرجو إلا أن يرزقني به؟

لقد فشلت دومًا أن أحدد الكلية التي أريد أن ألتحق بها على عكس أغلب زميلاتي، لكن أتذكر أن في آخر خمس سنوات -على الأقل- قبل أول عام دراسي لي في كلية الهندسة، أن تلك الكلية هي فعلًا الوحيدة التي توصلت إلي تحديدها؛ ولكن حددتها كأول كلية على قائمة الكليات التي من المستحيل أن أكتبها يومًا في استمارة رغباتي!

و ها أنا ذا أمضي فيها دون أن أدرك كيف حدث هذا.

لطالما اقتصرت نظرتنا على الحاضر فقط، وحتى إن تطلعنا إلى المستقبل لا تكون نظرتنا سليمة بشكل كامل؛ فأحيانًا يسير الهوى عكس تجاه المنطق.

ونحن -بكل سذاجة- ندرك ذلك، ثم نطوّع المنطق على هوانا، ثم نقنع أنفسنا بأن ذلك هو الاختيار الصحيح، نتعلق به رغم أننا -نحن- من كذبنا على أنفسنا من البداية، وبعد أن يجبرنا الواقع على العودة وترك الهوى نتذكر بكل أسف أنَّ الخطأ كان منا وأن ما جنيناه على أنفسنا هو نتيجة منطقية ومعروفة مُسبقًا نحن مَن اخترناها.

كم فلانًا قلت أن حياتك لا تحيا بدونه والآن أنت تعيش أفضل كثيرًا مع غيره؟

وكأننا أقنعنا أنفسنا بأن الله قد يخلق القلوب التي بداخلنا لتنبض بغيرنا فنموت بدونهم!.

كم حلمًا رسمته ومع أول فشل تخليت عنه، علقته كمجرد لوحة فنية في ذاكرتك ورسمت غيره؟

قد تكون تلك الكلمات قاسية بعض الشيء، لكن أديبًا روسيًا يقول: “بكوا في أول الأمر ثم ألفوا وتعودوا، إن الإنسان يعتاد كل شيء .. يا له من حقير!”.

نحن نقسو على أنفسنا دومًا بالحزن بعد كل رحيل وكل حلم يأبى أن يُحقَّق، ثم بعد فترة تستمر الحياة ونكتشف أنَّنا أعطينا بعض الأشخاص والأحلام أكثر من أحجامها، وأن حياتنا في الواقع تسير بأقدامنا فقط وليس بشيء آخر، حتى وإن لم يكن لنا الحق في اختيار ذلك، في النهاية .. سنعتاد.