أَمْ نُزِعت مِنَّا الإنسانية؟

مضايا هي فُرصة لإيقاظ ما تبقَّى من عروبتنا وإنسانيتنا، رسائل ربانية تمُر علينا لعلها تكون سببًا في إنقاذ علاقتنا مع الله، فلا مفَر من استقبال تلك الرسائل، أمَّا آن للروح أن تستعيد عهدًا جديدًا؟



شاهدنا مُؤخرًا ما يحدث في مدينة “مضايا” السورية، حالة يُرثى لها، أكثر من أربعين ألف مُحاصَرٍ يموتون جوعًا، أُناسٌ تدمع العين لحالهم، أطفالٌ لا يشتمُّون ريح الطعام، نساءٌ فقدن القدرة على إطعام أنفسهن قبل أولادهن، شيوخٌ يرفعون راية النهاية قبل أن تأتي، رُضَّع لا يجدون حبّات الحليب الصناعي، رجالٌ فقدوا القُدرة على إنقاذ هؤلاء، عِظامٌ تكاد تخترق الجلود، هياكل عظمية بقلوبٍ نابضة. على أعتاب الخامسة، خمس سنوات من الحرب، خمس سنوات من الاستغاثة، خمس سنوات من النداء والدُعاء، خمس سنوات من الهروب والغرق والجوع والقتل والترحال، خمس سنوات تحمُّل وصبر وعزيمة، عزة نفسٍ نشاهدها من أصغر طفل يبيع الحلوى لأكبر كهل يضرب في الأرض حتى لا يعيش ذليلًا، وصلنا لقرابة المليون الخامس من اللاجئين وقُرابة رُبع مليون قتيل من الأبرياء، حياة تُهدم أمام أعيُنهم ولا يملكون سوى الدُعاء ولا نملك سوى المُشاهدة والأسف.

مضايا ما هي إلا نموذج بسيط يُعبِّر عن واقع أليم مُسيطر على عالم ظالم نعيش فِيه الآن، عالم يعرِف حقوق الأقليات جيدًا ويعرف كيف عليه بالحفاظ على حقوقهم بكسر كُل الحواجز، لكِنّهُ يقِف عاجزًا عن إيقاف أبسط الجرائم التي تَنتَهِك حُقوق الإنسانية، عالمٌ قادر على التدخُّل بطائرات حربية لأي مكان لكنه يخشى كسر القوانين في إرسال طائرات إغاثة مُحمَّلة بغذاء ودواء. شعبٌ فقد أبسط حقوقه في الحياة، شعبٌ واجه الاستبداد والظُلم والقتل والجرح والمرض والجوع والبرد والغرق، مُنظمات تحكُم العالم ترى كُل شيءٍ لكنها ترفض التحرك في حِفظ آخر ما تبقَّى من قطرات دم أُمَّة بأكملِها، رأينا حِلف “النيتو” من قبل قد تدخَّل لإنقاذ ليبيا فقط لتحقيق مطالب سياسية ولم يكن يومًا بهدف إنقاذ أبرياء، الآن كيف لهم أن يخرجوا عن القانون وينهوا أزمة سوريا؟! فَلَو كانت قلوبهم حجرًا لرقَّت من صورة رجلٍ يُطعِم أولاده أوراق الشجر ولحوم القطط، لرقَّت من صورة طفل مات غرقاً، من صورة شيخٍ خرجت عِظامه عن جلوده، حقاً يا ليتها كانت حجارة.

الآن لزم الأمر في التخلُّص من التفكير الفردي والدوائر الضَيقة، الآن كان فرضًا علينا اتخاذ الخُطوات المُجدية، الآن وجَبَ علينا إدخال الرحمة في أولويات (أفعالنا). ليسوا بغُرباء هم من يموتون جوعًا بل هم مِنَّا ونحن منهم، إسلامنا يدفعُنا نحو التحرُّك تجاه المُحتاج حتى لو كان غريبًا، “وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا”، حتى لو كان أسيرًا !! ما بالُك لو كان أخًا سوريًا مُوحدًا بالله.

(مضايا) هي فُرصة لإيقاظ ما تبقَّى من عروبتنا وإنسانيتنا، رسائل ربانية تمُر علينا لعلها تكون سببًا في إنقاذ علاقتنا مع الله، فلا مفَر من استقبال تلك الرسائل، أمَّا آن للروح أن تستعيد عهدًا جديدًا؟ السعي نحو سوريا لم يعُد خيارًا، لم يعد تفضُّلًا مِنَّا عليهم، لم يعد إحسانًا يحتاجوه مِنّا، بل إحسانًا نحتاجه لإثبات آدميتنا. (مضايا) قضية تحوَّلت لعبءٍ على كاهل كُل عربي، ذنب أطفال وكبار أصبح مُعلقًا في أعناقنا، ماذا قدَّمنا لإخواننا؟ هل تخيَّلنا لبُرهة أنفسنا مكانهم نعيش على الماء؟ هل جرّبنا مذاق أوراق الشجر، لحم القطط؟ هل اكتفينا بالبكاء وحرمناهم من الدُعاء؟ أَمْ نُزعت مِنَّا الإنسانية؟

مقال : محمد الشناوي .