رسالة العشرين عامًا

كان لدينا من نقاء القلب وصغر العقل ما يكفي لأن يجعلنا سعداء نعيش دائمًا مُبتسمي الثغر، ولكن كتبت علينا الحياة أن يكون ذلك العدَّاد الرقمي هو من يتحكَّم في حياتنا



مقالات

(1)

ها نحن الآن قد مر علينا عقدان من الزمن، عشناهم وتعايشنا فيهم، تعلَّمنا منهم الكثير، تذوَّقنا فيهم طعم الفرح وألم العناء، تأثَّرنا بكل شخص، ولم نكتفِ بذلك فقط، بل واجَهنا أنفُسَنا بكل خطأ اقترفناه وحاولنا علاجه.

(2)

ونحن في العشرين من عمرنا تعلَّمنا من أمم قد سبقتنا سُننًا كثيرة، “أصبحْتُم جيلاً مشوه فكريًا لا يقدر على مواجهة ما لديه من مشاكل ما زالت بسيطة”. ولكن دَعونا ننظُر إلى ما واجهناه ونحن مازلنا في عمر الزُهور، وكان من المفترض ألا نشغِل تفكيرنا بأي شيء إلا البحث عن سُبُل السعادة وتحقيقها فقط.

(3)

في العشرين من عمرنا رأينا بأعيننا دمًا يسيل على الطرقات حتى أصبح بالنسبة لنا أمرًا سهلًا وعاديًا، واجَهنا من يرفع في وجهنا السلاح مهدِّدًا بإنهاء حياتنا في لحظة واحدة. أشخاص اعتبرناهم كل ما نملك وكانوا مصدر ابتسامتنا الوحيد، أوقفنا سعادتنا وحياتنا على وجودهم بجانبنا ووعدونا أنه مهما كانت صعوبات الحياة أمامهم فحياتهم مرهونة أيضًا بوجودنا جانبهم، فنظَل جانبهم نضحي بما نستطيع، ثم في لحظة نجد أنفُسَنا نُصَارع الحياة وحدنا. عشنا مع أشخاص نعلم جيدًا مكانتهم داخل قلوبنا، ولكن في مقابل ذلك لا نستطيع تحديد إذا كان لدينا نفس المكانة بداخلهم أم لا، ولا نملك من الجرأة ما يكفي لسؤالهم عن ما يكنون تجاهنا داخل صدورهم. فرضت علينا الحياة ظروف انتقالنا بعيدًا عمَّن يمتلكون مفاتيح سعادتنا، ومواجهة مجتمع جديد بأشخاص جديدة لا نعلم نواياهم ولا ندري هل سيبحثون عن سعادتنا أم انهيارنا.

(4)

صرنا في عمر العشرين ولكن عقولنا قد أصابتها الشيخوخة، ذبلت وجوهنا وما زلنا في مُقتَبَل العمر، لم نعد نحتمل النقاش ولا النصائح. لا أعلم، هل هذا مفيد أم يؤذي عقلي المُسِن؟! أزعُم أنني إن كان لدي طفل أربيه في مثل سني الآن، فلن أتعامل معه مثلما تعامل معي والداي، فطريقة التفكير اختلفت تمامًا، لن أجبره على شراء ملابس لا تروق له وهو في سن صغير، سأجعله شريكًا في القرارات معي منذ صغره، عندما يرى خطأً سأجعله يعترض عليه ولن أكمِّم فمه وأزعجه بمقولة “امشي جنب الحيط خلِّي ربنا يسترها معانا”. لن أصيبه بإحباط عندما يحكي لي ما يقوم به في نشاطاته الطلابية وأزعجه بمقولة “اهتم بمذاكرتك، الكلام ده مش هيفيدك بحاجة”. سأرسم صورة للمدرسة بداخله أنها بيته الأول والمكان الذي سينحت شخصيته، وبها أصدقاؤه الذين سيُكمل معهم قرابة العشرين عامًا من حياته ومنهم من سيُكمِل إلى ما بعد ذلك. سأخبر ابني إن الدنيا ليست مليئة بالسعادة وإنه بعدما يمتلك الزهرة من الممكن أن يجد بداخلها الشوك، “لا تتعلَّق بزهرة اقتطفتها فبعد وقت قصير ستذبل”.

(5)

أتذكَّر جيدًا طفولتي، أتذكَّر إنني لم أكن أفكِّر بأي شيء سوى أن أنتهي من واجباتي المدرسية لأبدأ باللعب، أتذكَّر جيدًا أول صديق لي وكيف تعارفنا ومازلت أُذَكِّرَه حتى الآن بهذه الصدفة التي جعلتنا أصدقاء لما يقرب من الستة عشر عامًا حتى الآن. كنَّا أطفالًا، ننظُر إلى السواد الحالك في السماء ليلاً، ثم نرى تلك الكتلة البيضاء التي تُنيرها، كنَّا نعتقد أن هناك جنيًا في السماء، فنحاول أن نهرب من القمر ونجري بعيدًا. أتذكَّر عندما كنت أسير وبالصدفة أنظر إلى الأرض فأرى خيالي، كنت أظن أن هناك شخصًا يشبهني ويتابعني تحت الأرض فأدوس عليه لأخفيه. كنت أجلس لأشاهد التلفاز مع أهلي وعندما تأتي نشرة الأخبار كنا نحاول أن نفهم ذلك الكلام اللوغاريتمي الذي يقع على أسماعنا، ولكن عقلي الصغير لم يكن يتحمل فهم مثل هذه الأشياء. كنا نعشق دنيا الأطفال وعمو فؤاد وعالم سمسم وننتظر إطلالتهم داخل تلك الشاشة التي كانت تمثِّل جزءًا كبيرًا من سعادتنا. كنت أنتظر أن يأتي والدي وبيده الجريدة اليومية، لا لأقرأ ما بها، فبالطبع سأجد كلامًا لوغاريتميًا آخر مما يُقال في النشرة، بل فقط لأتصفَّحه وأنظر إلى كل تلك الصور الملونة الموجودة به، ولأبعثر ترتيب الأوراق ولا أستطيع ترتيبها مرة أخرى. كنَّا نختبر سرعتنا عند سيرنا في الطرقات عندما يتصادف مرور سيارة بجانبنا، نجري بجانبها للحاق بها، لظننا البريء أننا أسرع من كل شيء حولنا حتى تلك السيارة. كنت أنتظر دائمًا الجلوس وسط الكبار لأنصت جيدًا إلى ما يقولونه والحكايات التي كانوا يلقون بها على أسماعنا والتي صرنا الآن نمتلك القدرة على أن نسرد مثلها ونحن في سن العشرين. أتذكَّر أول مرة خفق فيها القلب ووقع في حب “البنت الحلوة” التي كنت لا أرى مثيلًا لوجودها، أتذكَّر أيضًا سبب الانفصال والصدمة البريئة التي غطت وجهي ظنًا مني أنها ستكون آخر صدمة أواجهها في حياتي.

(6)

كان لدينا من نقاء القلب وصغر العقل ما يكفي لأن يجعلنا سعداء نعيش دائمًا مُبتسمي الثغر، ولكن كتبت علينا الحياة أن يكون ذلك العدَّاد الرقمي هو من يتحكَّم في حياتنا ويبعدنا عن أشخاص عشقناهم ويقربنا من آخرين. ليت الزمان يعود بنا إلى طفولتنا، لا لنصحِّح أخطاء اقترفناها، بل فقط لنشعر بمعنى السعادة الحقيقي الذي حرمتنا منه شيخوخة عقل يسكن إنسان لم يتعدى العشرين.

مقال : محمد مشعل .