سافر

السفر الحقيقي اللي اتكلِّم عليه أجدادنا وهمّا ع الجِمال في قلب الصحرا أو على ظهر سفينة في محيط واسع مش عارفين واخدهم لفين هو عبارة عن رحلة روحية منذ ميلادك حتي مماتك



image.

أنا هنا مش جايبلك أسعار طيران وعروض فنادق أنا هنا بكلمك عن السفر بكل ما تحمله الكلمة من معاني ..
طبعًا لو أنت من متصفحي الفيسبوك، هيقابلك طول ما أنت ماشي عروض وإعلانات من شركات سياحة كتير، أسبوع في باريس ب ٥ آلاف جنية، روما مستنياك ب ٧ آلاف جنية شاملة الڤيزا والطيران والإقامة والأكل والشرب والدبابات والطيارات وتنين مجنّح ، ويا إما الأسعار رخيصة جدًا لدرجة الريبة تحسسك إنهم هيوَدُّوك محلة مرحوم مش باريس، يا إما غالية جدًا تحسسك إنك ممكن تجهِّز بيهم شقتك أرخص، خلينا نعتَرف إن ده مش جوهر السفر، إني أدفع كام ألف عشان أخُد صورة عند برج إيڤل أو بيزا وأرجع أورِّيها لصحابي أتنطَّط عليهم بيها، السفر الحقيقي اللي اتكلِّم عليه أجدادنا وهمّا ع الجِمال في قلب الصحرا أو على ظهر سفينة في محيط واسع مش عارفين واخدهم لفين هو عبارة عن رحلة روحية منذ ميلادك حتي مماتك، ميلادك هنا مش يوم ولادتك، لأ، ده أوِّل يوم قرَّرت تسافر فيه وتخرج برَّه محيط حياتك.

هنحكي عن ولد صغير العالم بالنسباله مجرَّد عيلته وشارعه ومدرسته، أقصي أحلامه إن باباه يجبله طقم الأهلي الجديد ،الولد ده اتقدمله في يوم رواية ل”رجل المستحيل” ودي كانت بداية معرفته بالقراية، أدمنها وبقا ياخد من مصروفه عشان يشتريها لحد ما عمل مجموعته الخاصة منها، المهم ابتدي يدوَّر علي مكان يقرا فيه في مدرسته ملقاش غير مكان غريب كده علي بابه عنكبوت والطلبة مش بيهوِّبوا ناحيته اسمه “المكتبة” ،المهم الولد طيّر الغربان وشال العنكبوت ودخل لقي عالم تاني جوَّه، لقي ناس بتحكُم، لقى امبراطوريات بتقوم وتسقط ،لقي علوم الكون والفلك، لقي الأرض واللي تحتها، لقي السما واللي فيها، لقي اللي حصل واللي هيكون، لقى الأدب والفنون .. عالم تاني عجيب وغريب !، وفي الوقت اللي أغلب صحابه بيقضوا وقتهم في الحوش وفي اللعب كان هو فالمكتبة بيشد انتباهه الأطلس الكبير، شاله بإيديه الصغيرة، فتح الكون قُدَامه، واتأكد ساعتها إن فعلًا العالم مش أهله وشارعه وبس، لأ ده في دول وبحور ومحيطات تانية ،في ناس تانية عايشة حوالينا ليهم لغة وعادات وثقافات تانية، ابتدى الولد الصغير يقرا عن الأماكن دي ويحفر صوَّرها في دماغه وابتدت بذرة السفر تكبر ويّاه مع السنين، لما كبر وبقي شاب واشتد عوده قرَّر يسافر حواليه الأول لإن مينفعش تشوف بيت جديد وأنت مش لافف وحافظ بيتك.

قابل صحاب مجانين ليهم نفس الشغف، وبأقل التكاليف ابتدا يسافر في مصر، الولد طول عمره مشكلته إنه بيشوف الدنيا بعين تانية ، بيراقب الطبيعة بيراقب وشوش الناس بيركِّز في تفاصيل اللوحة الفنية اللي عاملها ربُّه في خلقه وملكوته، الولد قضي أسعد أيام حياته بينام ويصحي كأنه في آلة زمن، مرّة يصحي علي قهوة في كفرالشيخ مقضِّي فيها ليلته، مرة يصحِّي في قطر الصعيد يلاقي لسه فاضل ٥كم علي أسيوط، مرة في جامع في بحري اتحدف ليه من كتر البرد ومرة في مطروح بعد غدوة في الصحرا، مرة علي كليم في بيت علي البر الغربي في أسوان، ومرة في السويس والأتوبيس عطلان، مرة في ملاحات الفيوم ومرة في حقل قصب في الأقصر ،ومرة بإحدى قرى الأرياف هربًا من صخب المدينة، حس برعشة برد كاترين وحر أسوان، كل دي خبرات جمَّعها الولد ساهمت في تكوينه، الولد عمره ما اتضايق من السفر ومواقف الحياة، كان بيلاقي لذّة السفر في أدق التفاصيل، في وشوش الناس والحكاوي وفي اللي السما بتقوله والأرض بتحكيه.

الولد عوده شد أكتر من السفر في مصر، بقي قادر يستحمل ويتعامل مع أي موقف، مبقاش بيحس بمتعة ولا إثارة في حياته زي ما بيحس لمَّا حد من صحابه يقوله جهِّز شنطتك مسافرين، في يوم من الأيام ادرينالين السفر في جسمه وصل لليڤل عالي فقرَّر يصارح أهله بعشقه، طبعًا الولد متصدمش بالرفض نظرًا لظروف مجتمعه الغريبة اللي بتحدد حياة الإنسان بالولادة ثم الدراسة ثم العمل ثم الزواج ثم الإنجاب ثم الهِرم فالموت!، حياة بائسة خالية من أي روح بتتكتب علي أجيال نظرًا لإنه نمط الحياة الموجود في بلده وأي حاجة غير كدة فهي محض جنون وتفاهة وتضييع وقت وفلوس، طبعًا البنات اللي فكّرت تقول كدة لأهلها تقريبًا ممكن اتلسعت قلم متين من نوعية -عاوزة تسافري برّه لديابة أوروبا ينهشوا فيكي، ثم أنتِ راجعة الساعة ستة وعشرة ليه مش كان معادك ستة!- طبعًا لو قعدنا نتكلم عن مدى التضييق والحصار اللي بتشوفه البنات في مجتمعنا مش هنخلص. المهم نرجع للفلوس، للبعبع اللي كان بيخوِّفنا، كانوا بيحسسونا إن السفر محتاج ملايين ولازم أبوك يكون وزير علي الأقل عشان تسافر، احنا ذات نفسنا مننكرش إننا كنَّا بنشوف في أفلام زمان إن ابن الباشا بيبقي راجع من أوروبا ودايمًا بيظهر في صورة شاب خِرع سييس معدوم الأخلاق فاقد الشرف، والواد ابن الفلاح الراجل القوي، وكأنَّهم بيرضعوهم من صغرهم -متْسفّروش عيالكم،هيضيَّعوا فلوسكم وهيضيَّعوا أخلاقهم وتربيتهم ويفسدوا !، اربطوا عيالكم جنبكم انقللهم أحلامكم ومهنتكم ! خلُّوهم نسخة منكم وادفنوهم في البلد دي، اقتلوا جوَّاهم الموهبة والشغف والحلم والطموح وحب الاستكشاف .

اكتشف الولد بعدها إنه بدل ما يقعد في فندق ممكن يقعد في هوستيل -بيت شباب- بعُشر التمن، ممكن بدل ما ياكل في كنتاكي وبيتزا هت وماك ممكن يجيب أكل ويطبخ هو بخمس التمن، بدل التاكسي يركب مترو أو يستخدم رجليه، اكتشف إنه ممكن يسافر بعُشر الأرقام اللي كان بيسمعها راح لأهله ووضحلهم مدي تصميمه وإن دي حياته مش حياتهم ولو غلط فهو اللي يتحمل نتيجة غلطه بدل ما يتحمل الفشل في أحلام غيره، بعد فترة الدماغ لانت، الولد حوِّش واشتغل واستلف وشحت وخد الباقي من أهله، كل ده عشان حلمه، وإنه ياخد أول خطوة عشان يشوف كل البلاد اللي شافها وقرا عنها في الأطلس، كان بيجري يخلَّص ورقه رغم الإحباطات الكتيرة اللي من نوعية -الموضوع هيفشل، مش هتلحق، مش هتعرف-، لكن الولد استمر، حلمه كان بيزُقه، بيجبره إنه يستحمل ويتخطي كلام الناس في بلده اللي لا بيودِّي ولا بيجيب، ومسك الواد أول تذكرة طيارة في حياته، الفرحة مكنتش سايعاه، أخيرًا بعد كل السنين دي الحلم قرَّب خلاص.
“لن تجد أرض جديدة حتى تستطيع أن تتحمل فراق الشاطئ”

الشاطئ هنا هو أهلك .. بيتك .. سريرك .. باختصار منطقة راحتك، الولد ظبّط شُنطه وملاها، لكن فضّي دماغه للحظة الميلاد الجديدة، شايل معاه أخلاقه اللي اتربي عليها، بس مشالش عادات وتقاليد وأفكار ملهاش لازمة حَشوا بيها دماغه سنين، خلّي عقله يتقبّلأي اختلاف يشوفه، ويفهم إن نطاق حريات أديان وعلاقات وأحلام البشر فوق أي عُرف.

الواد ركب الطيّارة ونِزِل البلد الجديد واتعامل مع ناس وجنسيات عمره ما كان يتخيَّلها ، اتعلم لغة أهل البلد، نام في أوضه مع ناس من أقصي الشرق والغرب، مختلفين في كل حاجة بس جمَّعهم السفر والمغامرة، قعدوا يحكوا لبعض عن بلادهم وعاداتهم، الولد ابتدى يلف ويسافر ويطلع جبال ويعوم في محيطات، يتعرَّف كل يوم علي ناس ويجرَّب حاجة جديدة ،كل شيء وكل موقف ولحظة بقا ليه معني الذهن صفا والحياة أصبح ليها هدف، المتعة مبقتش في الوجهة بقت في الرحلة ذات نفسها، في الناس، في الطبيعة، في السما، في كل حاجة، مبقاش يفرق الدولة متقدمة ولا فقيرة ألمانيا زي الهند ، كل أرض بتروحها بتسيب فيها حتّة من قلبك مع أهلها وناسها وأرضها، لما في نهاية المطاف تختار مهنة تمتهنها في بلد ما وتستقر فيها هتفضل شعلة السفر جوَّاك وشنطتك جاهزة مستنية إشارة منَّك عشان تبقى علي كتفك وتطلعوا مع بعض رحلة جديدة تقهروا فيها الكون وتكتشف أماكن في روحك لسه مشفتهاش.

متعشِ حياتك كومبارس في أحلام غيرك
اجري ورا حلمك وعافر .

Twenty years from now you will be more disappointed by the things you didn’t do than by the ones you did do. So throw off the bowlines, sail away from the safe harbor. Catch the trade winds in your sails. Explore. Dream. Discover.” – Mark Twain