صراع العروش 1

الحرب الأهلية اللبنانية 1 | أزمة 1958



في الذاكرة العربية والإسلامية الكثير من صراعات العروش التي حصدت الأرواح وأراقت الدماء وبذرت الشر والطائفية في أرضنا الطيبة. وبالرغم من أن تاريخ وجغرافيا الشعوب لا يخلوا من هذه الصراعات، وبالرغم من أن وحشيتنا ليست الأضرى أو الأسوء وخصومتنا ليست الأفجر ومصابنا ليس الأعز، إلا أن قصتنا لم تُحكى أبداً. بل وجدت أكاذيب كل حزب عقول لا تعقل وأفواه لا تسأل وآذان لا تسمع. فلأي قيامة يقوم المسيح وقد ماتت تضرعات المظلومين؟

الحرب الأهلية اللبنانية هي أحد أهم صراعات العروش في تاريخنا الحديث. أرى أنها الأكثر دموية بل والأكثر درامية أيضاً. سبب اهتمامي بهذه الحرب التي استمرت من عام 1975 إلى عام 1990 هو تشابه الظروف السابقة والمحيطة بالحرب لما وصلت إليه بعض الدول المحيطة بنا بعد ما يُسمى ب “الربيع العربي” والذي كان يمكن تجنبه، أو التبؤ به ومن ثم التفكير مرة أخرى، لو كان جيلنا أعطى الفرصة ليسمع دروس الأقوام السابقة.

لبنان هى نموذج حديث للدولة التي انهارت معانيها وتحول شعبها لأعضاء في تنظيمات لكل منها حلفاؤها وأعدائها بل وأحيانا سياستها وميناؤها واقتصادها وقواتها المسلحة.

شكل المسيحيون في لبنان الأغلبية العددية بنسبة 84% في 1926 تراجعت إلى40% فقط في 2012 بسبب التهجير. الطوائف المسلمة أيضاً تنوعت فالشيعة والسنة كلاهما موجود بما يكفي ليحدث تأثيراً في الساحة اللبنانية التي لا تعترف إلا بالطائفة وزعيمها.

الحرب الأهلية اللبنانية هى أكثر من مجرد خلاف إسلامي-مسيحي، فخريطة التوزيع الديني تكاد تنطبق على خريطة التوزيع العرقي والسياسي بل والثقافي والإقتصادي. فلأسباب أجهلها تتركز الثروة اللبنانية في الجانب المسيحي فتجد أغلب السياسيين ورجال الأعمال والمثقفين والمفكرين وذوي التأثير والنفوذ من الطائفة المسيحية المارونية تحديداً وهو ما أوجد الأرضية الخصبة لنمو التصدعات داخل المجتمع اللبناني.

أزمة 1958

أعلنت الوحدة بين مصر وسوريا في فبراير 1958 وكانت تتويجاً للموجة الناصرية القومية التي رعاها وباركها الإتحاد السوفييتي. تصاعدت الأصوات اللبنانية المنادية بالإنضمام للوحدة غير أن الرئيس اللبناني المسيحي “كميل شمعون” الموالي للغرب رفض ذلك، وكان قد رفض حتى قطع العلاقات مع الدول الغربية التي هاجمت مصر في العدوان الثلاثي. وكما أشرت سابقاً، فالوضع الحساس في لبنان حوَّل هذا الخلاف السياسي إلى خلاف ديني إسلامي-مسيحي. تصاعدت التوترات وتواترت الأحداث حتى وصل الأمر إلى تمرد إسلامي مسلح اتهم كميل شمعون الجمهورية العربية المتحدة بالوقوف ورائه وطلب على إثره تدخلاً أمريكياً لحماية الدولة اللبنانية. قرر الرئيس أيزنهاور مواجهة المد الشيوعي * على الأراضي اللبنانية وأرسل 14000 جندي لقمع المعارضة المسلحة في عملية عُرفت ب “الخفاش الأزرق”. نجح الوجود الأمريكي في ضبط الموقف. انتهت الأزمة بانتهاء فترة رئاسة كميل شمعون وسحب أمريكا قواتها وتم انتخاب رئيس جديد.

*: في 1957، أي قبل الأزمة بسنة، أقر الرئيس الأمريكي أيزنهاور ما يُعرف بمبدأ أيزنهاور وينص على أن بمقدور أي دولة طلب المساعدة الإقتصادية أو العسكرية من الولايات المتحدة لمواجهة اعتداء دولة أخري خصوصا إذا تعلق الأمر بمواجهة الدول المدعومة من الإتحاد السوفييتي. وكان الطلب اللبناني والتدخل الأمريكي في أزمة 1958 أول تطبيق لهذا المبدأ.