السن القانوني للزواج، ورقة مفقودة في سلة المهملات

عندما يخضع القانون للبشر بدلاً من العكس



في خضم الصراع طويل الأمد بين أوساط المجتمع في الدفاع عن العادات والتقاليد، لازالت قضية مخالفة سن الزواج أو – في مقولة أخرى- زواج القاصرات تشغل حيزاً لا بأس به من بين الأحاديث والمجالسات بين عامة الناس. هنا ستجد بعض الفروقات عن أي قضية اجتماعية أخرى، فعلى الرغم من شناعة الجريمة، إلا أنك ستجد لها مؤيدون يستميتون للدفاع ونقد كل الأفكار المعارضة لها. وعلى الجانب الآخر هناك الكثير ممن يعون خطورة الجريمة، لكن بدون أي اكتراث لتوابعها.

حسب ما ذُكر في القانون الدولي، فزواج القاصرات هو اجبار الفتاة على الزواج قبل بلوغ السن المصرّح به، وهنا نتحدث عن السن الرسمي المقَرّ به من أغلب هيئات الحقوق والمنظمات الناشطة في مجال الزواج، والذي يتراوح بين سن الثامنة عشر فما فوق. في بعض أماكن إنعدام الرقابة يمكن اعتبار هذه القوانين مثل فاتورة مشتريات أصبحت عديمة الجدوى، مصيرها في النهاية الرمي في المهملات. ونجد في أماكن أخرى بعض أساليب التحايل مثل الاتفاق الشفوي على الزواج بين أهل الطرفين، ولكن كتابة عقد الزواج الرسمي لا تكون إلا ببلوغ الفتاة السن القانوني. وفي الحالتين فقد تم ارتكاب جريمة مكتملة الأركان، لكن بدون عقوبات.

أحد أهم أسباب انتهاك قوانين سن الزواج هى العادات والتقاليد التي شبّ عليها بعض المجتمعات، ففي اعتقادهم أن زواج إبنتهم في سنٍ مبكرة سيكون بمثابة الحفظ والصون لشرف العائلة أو القبيلة. والبعض الآخر يلجأ لهذه الانتهاكات لأسباب اجتماعية بحتة مثل الفقر، وهنا يرى الأب أو ولي الأمر في العموم أن الزواج لإبنته لن يكون إلا بمثابة التخلص من عبءِ مادياتها واحتياجتها المُسندة عليه.

أما عن الأضرار الجسمانية فقد ذكرت وزارة الصحة المصرية أن الزواج قبل بلوغ السن القانوني يؤدي إلى إنجاب أطفال بإعاقات دائمة بنسبة مقدارها أربعة أضعاف الإنجاب في السن القانوني، ناهيك عن التشوه البدني لجسد الفتيات أنفسهن. وذُكر أيضا أن قابلية مقاومة المناعة للأمراض في جسد الفتاة تهبط بمعدلاتها هبوطاً حاداً نتيجةً للتغيرات المفاجئة التي تحدث في زمنٍ ليس من المفترض أن تحدث فيه. علاوة على ذلك، هناك ما يقرب سبعين ألف حالة وفاة سنوية بسبب الزواج المبكر. أيضاً هنالك مشاكل نفسية تؤدي إلى هدم حياة الفتاة الإجتماعية بشكلٍ بالغ الخطورة. ففي المجمل تكون معظم الفتيات المجبورات على الزواج في سنٍ مبكر مصابات بالإكتئاب والوسواس القهري وانفصام الشخصية، ويرجح السبب في ذلك أنه الفاصل العمري الكبير بين الزوجين مما يؤدي إلى خلل في الفهم والتفكير بينهما.

أخذت القضية حيزاً واسعاً على شبكات التواصل الإجتماعي والإعلام والمنظمات ولكن – على الأقل في بلادنا – لازالت كل الحلول المقدمة مجرد كتابات على الورق لا تسمن ولا تغني من جوع. واعتقادي الشخصي هو ضرورة وجود رقابة مستقلة يراعَى انتقاء عامليها للإبلاغ والقبض على كل من يقف وراء هذه الجريمة، وتوقيع أقصى العقوبات الممكنة للحد من إنتشارها أكثر مما هى عليه الآن.