لماذا نتجاهل الحمار ونهتم بالبردعة في حكمنا على الأمور؟!

هناك شيءٌ ملفتٌ للنظر!



أيامُنا مليئة بالأحداث والمواقف المثيرة للإنتباه وعادةً ما نتجاهل الأقل تأثيراً ونلتفت لما هو أكثر أهمية وقٌرباً من حيواتنا، ولكن الوضع لا يكون كذلك دائماً ففي الكثير من الأحيان نلتفت لما لا يهمنا ولا يؤثر علينا بأي شكل ولكنه يثيرنا ويسيطر على حيز كبير من تفكيرنا مثل انتشار مقاطع فاضحة لبعض المشاهير ونشر الراقصة جوهرة لفيديو تلقيها حقنة في العضل. فلماذا نهتم بمثل هذه المواضيع وهي لا تخصنا؟ وما علاقة ذلك بأحكامنا على الحمار والبردعة؟!

نشر الراقصة جوهرة لفيديو تلقيها حقنة في العضل لا يعني أي شيء للغالبية العظمى ممن اهتموا بالأمر فلن يزداد دخلهم إن كانوا يعملون ولن يحصلوا على “بونص” إن كانوا يدرسون ولكن ما جذب انتباههم هو أن ما فعلته هذه الراقصة ليس بالمألوف لمجتمعهم على جميع المستويات من البيت لبيئة العمل أو الدراسة لمحل السكن وحتى للشعب الذي يعيشون وسطه ومن هنا ينبع الدافع وهو كون هذا الفعل شاذاً أو غريباً عما تربوا عليه وعاشوه، فهناك مئات المقاطع لها و هي ترقص و هو ما يظن البعض أنه أكثر جاذبية أو إثارة من الحقنة و لكنه أقل شذوذاً عن بيئتهم. من هنا نستطيع استنتاج أن الأكثر إلفاتاً لإنتباهنا هو ما قد تخطى الحدود التي شيدتها الحياة داخل عقولنا نحو كل ما لم تراه أعيننا أو ما لم تحب أعيننا أن تراه!

على نفس المنوال يسير هذا المثال: إذا تحرش أحد الفتية بفتاة في إحدى القرى فصرخت الفتاة و قالت “حرامي” ليمسك به الناس ومن ثم سألوها عما سرقه منها فترد قائلةً “السافل اتحرش بيا” مع صحو المتحرش بأنه لم يسرق منها شيء ووجود شخص على صلة بالمتحرش و لكنه لم يظهر ذلك سوف يدافع عن المتحرش بأن ملابس الفتاه “الملفتة” هي السبب و أن “مفيش بنت محترمة تنزل من بيتها كدا” ومن هنا سينصب تركيز معظم الشهود على ذلك وسيبدأوا بتعنيفها على ملابسها وأنها منافية للأخلاق والقيم، وسيبدأ البعض في اتهامهما بأنها “شمال اصلاً” و “دي نازلة عشان تتعاكس” ووسط هذه الاتهامات والتعنيف سيتركون المتحرش يفر ويذهب دون عقاب. السبب وراء هذا التوجه الغير منطقي ممن أمسكوا بالمتحرش هو أن أحد الشهود وجه تفكير البقية نحو شيئاً ما خارج الحدود التي ذكرناها مسبقاً. حرية المرأة في اختيار ملبسها ومظهرها أو حتى انخراطها في الحياة بشكل ولو مقارب للرجل أكثر غرابةً وشذوذاً بالنسبة لهؤلاء الناس من فعل المتحرش نفسه، فلقد سمعوا عن التحرش و رأوه وبرروه ولكنهم لم يروا و لم يحبوا أن يروا فتاة تفعل شيء سوى المكوث في المنزل انتظاراً للستر، فتغاضوا عن ذنب الفتى ليركزوا على ما اعتبروه ذنب للفتاه حتى وإن كان نكره إذا قارنّاه بفعل المتحرش من منظور عقلاني.

التركيز على ما هو أكثر إثارةً للجدل وشذوذاً هو سلاح فعال جداً في المجتمعات المنغلقة وقليلة المعرفة عما هو بعيد أو غريب عن بيئتها، فالبعض يسيء استخدامه في عمليات الإغتيال المعنوي لإفقاد بعض الأشخاص أهلية النقد أو التحدث للعامة بتشويه صورته أو بتسليط الضوء على بعض جوانب شخصيته التي سيرفضها البعض ومن ثم يرفضوا أي شيء ينبع منه.

في العديد من المواقف وخاصةً المصيرية والمؤثرة يكون هناك طرفان يختلفان الرأي. سيتعمد أحدهم إلهاءك عن نيته أو ذنبه -الذي من الممكن أن يكون كفيل بسلب حقوقك أو تدميرك أنت و مستقبلك- بتسليط الضوء على خطأ للطرف الآخر الذي لا يؤثر عليك بأي شكل ولكنه كفيل بجذب كل انتباهك؛ حتى تفقد ثقتك في الآخر وتنسى الذنب الذي يؤثر عليك ومن الممكن أن يهلكك. نحن لا نتعمد تجاهل الحمار والتركيز مع البردعة ولكن البعض يعلم كيف يقودنا لذلك؛ لحصد مكاسب مختلسة وتفادي خسائر وعقاب مستحق.