الإكتئاب بين الإدّعاء والمرض!

أبو طربوش الأبيض اللي هناك ده مكتئب؟



حالة الشخص النفسية بالطبع تؤثر عليه عضوياً، هل نحن مرضى نفسيين فعلاً أم مجرد مدّعين باحثين عن الإهتمام وجامعين “للايكات”؟ الحقيقة للإجابة على هذا السؤال بشكل علمي دقيق سنصبح مطالبين بجمع كل الشباب الذين يعانون من اكتئاب أو يظنون كذلك ونخضعهم لإختبارات و تقييم نفسي على يد خبراء و أطباء في علم النفس لتحديد نسبة المرضى الحقيقيين من المدّعين، في الواقع إنه لأمر مجهد جداً ويصعب تنفيذه.

لكن اؤكد لك عزيزي الطالب أنك إذا كنت مكتئباً بالفعل فنحن نعلم جيداً ما تشعر به، الآم في الجسد والعظام، مزاج متقلب، فقدان شهية، نوبات بكاء وغضب و “طرابيزات بلياردو وبنج”. أما إلى من يظن أن الإكتئاب هو مجرد حالة يأس يفرضها الشخص على نفسه بسبب كسله و تشاؤمه الزائد فعلىّ إخبارك عزيزي الواثق من نفسك المقبل على الحياة أن الموقف ليس بسذاجة تقييمك لكفائة محرك سيارتك وإنما المعطيات المؤثرة هنا مبهمة ويستحيل قياسها من منظور المتابعة بدون المعايشة لنفس الظروف والطباع الشخصية وذلك مستحيل.

هناك أشخاص أذكياء جداً وأصحاب منطق قوي و مجتهدين لأقصي درجة وبإمكانم النجاح على الصعيد الأكاديمي والشخصي أو على الأقل يملكون فرص حقيقية للمحاولة ومع ذلك يُشكّل الإكتئاب عائقاً بينهم وبين كل أهدافهم. لمجرد أنهم فقدو كل الطاقة المحركة لجسدهم الضعيف المتهالك، يصبحون بلا دافعٍ قوي للإستمرار فيصبح مصيرهم العزلة والهروب من أفكار التدمير الذاتي والإنتحار التي تطاردهم كل ليلة وفي كل موقف يشعرهم بشيءٍ من السعادة المؤقتة يعودوا أسرع من خط هجوم ليفربول للشعور بالحزن أو ربما الشعور بالفراغ واللاشيء وهو لو تعلمون اسوء بمراحل من الشعور بالحزن، فالحزن يمكن التعايش معه ومع أسبابه ويمر، أما هذا الشعور فهو ممتد والتساؤل عن أسبابه يزيده تعقيداً.

الإكتئاب يفقدك ارادتك الحرة في اختياراتك الحياتية، يجعلك تتعمد اللجوء للمزيد من القرارات الخاطئة بلامبالاة ومن ثَمَّ تتوقف عن الإختيار أو أخذ القرارات من الأصل، لا تحرك ساكناً تنتظر المزيد من البؤس.

سرطان لا يمكن إيقافة أو تحديد مكانه، سيقترح عليك عدد لا بأس به أن تتقرب إلى الله أو أن تمارس اليوجا، المشكلة أنهم ليسوا متخصصين ويجهلون أصل المشكلة فلا يمكنهم مساعدتك فعلاً، أما الحقيقة هى أنك الشخص الوحيد الذي يملك الحل. “ايه الحل؟” إذا كانت الإجابة مبهمة بالنسبةِ لك فليس هناك خطأ في بحثك عن طبيب نفسيّ ليساعدك على إيجاد الحل. بالتأكيد سيكون هذا أفضل من جلدك لذاتك وانتظارك للغد الذي لا يأتي، فضلاً عن لجوءك للمخدرات والكحوليات أو حتى الموسيقى التي تفقد تأثيرها بعد مدة، ستكتشف حينها أنك على عتبة أسوء سيناريو قد تصل إليه أبداً!

تذكر في النهاية أن العالم مليء بالأشياء التي تُثير إهتمامك تذكر كذلك أن هناك من يهتم لأمرك وتهتم لأمرهم، قابلتهم وستصادفهم بعد. صدّق بأنك لا تريد تفويت فرصة المرور بكل هذا وما يليه من مشاعر وذكريات تستحق أن يكون لها مكان في عقلك قبل أن يتوقف عن التسجيل.

لن أخبرك أن الإنتحار محرم أو أنه جُبن، فإحقاقاً للحق هو بعيد كل البعد عن الجُبن وإنما هو شجاعة تقود للهلاك ولكن ليس فقط هلاك شخصي إنما هو هلاك لكل من أحب وجودك ويقدر نقاشاتكم الغير هادفة المسلية والمملة. في الواقع “مش هنفضل نوسع في دايرة الاكتئاب واحنا اصلاً جايين نلمها”

كلنا نأخذ أحكام الغير بعين الإعتبار حتى إذا ادّعينا عكس ذلك، فرفقاً بغيركم و بأنفسكم لا تطلقوا الأحكام القاسية على غيركم وعلى أنفسكم، كن هيِّن ليِّن قريب سهل. إن كان عليك الإستمرار في إطلاق الأحكام وهو من طباع البشر فإجعلها سطحية كتسمية أحدهم بالدحيح مثلاً.

تخيل معي أنك سافرت بغرض الدراسة أو العمل في كندا أو أياً من الدول التي تجمع بين ثقافات ومعتقدات مختلفة في إطار قوانين تحمي الحقوق والحريات ستجد نفسك تتقبل وتحترم زميلك الهندي الذي يعبد البقر أو أي زميل من أي جنسية يعبد أو لا يعبد في حين أنه كان الممكن أن يتعرض لسخرية وتشهير من طرفك لكونه مغاير أو مختلف.

الحياة صعبة ومرهقة في تفاصيلها وليس من العقل والحكمة أن نصبح أعباء زائدة على كاهل بعضنا البعض، و خصوصاً لو أنها أكثر الفترات صعوبة على الجميع كما أشعر وأظن. إن الوحدة تقتل فإدعمو بعضكم البعض بلا شروط أو مساوامات، جميعنا يبحث عن الطمأنينة والسلام الداخلي، وكل هذا يتحقق فقط بالثقة المتبادلة وثقة الشخص بنفسه.