ليست بعد منتصف الليل فقط (العبقرية المريضة)

عزيزي ثيو، إلى أين تمضي الحياة بي؟ ما الذي يصنعه العقل بنا؟ أنه يفقد الأشياء بهجتها ويقودنا نحو الكآبة..



العبقرية -المطلقة- كمصطلح نعرفه يجب أن يُميز بشيء، بنوع يميزه عن غيره من الأنواع، فهنالك عبقرية أدبية وعبقرية علمية وعبقرية فنية و غيرها الكثير والكثير، نأخذ على سبيل المثال مثالاََ على العبقرية الفنية وهو الرسام (فينسينت فان جوخ).

لا شك في أن (فان جوخ) كان مبدع وعبقري لأبعد الحدود وهذا ما ظهر لنا من إرثه الذي تركه للبشرية من لوحات عظيمة تُعرض الآن في أشهر متاحف العالم، يمكن أن تلمس عبقريته في ألوانه وفي تصوره للأشياء، فعلى سبيل المثال لوحة ليلة النجوم (Starry Night).

هذه اللوحة رسمها (فينسينت) عندما كان بالمصحة النفسية، تُظهر اللوحة المنظر الذي كان يُطل عليه من نافذة غرفته ولكن من وجهة نظره لا بشكلها الحقيقي، فهذا ما اعتاد عليه فان جوخ دائما في لوحاته وهو الخيال، خياله هو فقط.

الخيال في أعظم الأشياء و أبسطها كنجوم في السماء أو حقل قمح وغربان أو كذا وكذا، حتى في رسمه لنفسه.

ذكر (فان جوخ) ذلك في الرسالة التي كتبها لأخيه (ثيو) والتي قال بها:
“اليوم قمت بتشكيل وجهي من جديد، لا كما أرادته الطبيعة، بل كما أريده أن يكون، عينان ذئبيتان بلا قرار، وجه أخضر ولحية كألسنة النار، كانت الأذن في اللوحة ناشزة لا حاجة بي إليها، أمسكت الريشة، أقصد موس الحلاقة وأزلتها… يظهر أن الأمر اختلط علي، بين رأسي خارج اللوحة وداخلها “

هكذا كان يفعل فينسينت دائما، يقوم بتشكيل الأشياء من جديد كما أرادها هو أن تكون ليست كما أرادتها الطبيعة -على حد قوله-، ولكن دعنا نسأل، أهذه عبقرية؟ أم جنون؟

أهي عبقرية تقود إلى الجنون أم أنه جنون ضريبة عن عبقرية؟

البعض منكم يظن أنه شخصا مخبولاََ بسبب قطعه لأذنه لأنها لم تعجبه في لوحته “العبقرية”، دعنا نقترب من عقل فينسنت أكثر قليلا.

يقول فان جوخ في بداية رسالته التي كتبها لأخيه:

” عزيزي ثيو، إلى أين تمضي الحياة بي؟ ما الذي يصنعه العقل بنا؟ أنه يفقد الأشياء بهجتها ويقودنا نحو الكآبة.”

الآن بتنا متأكدين أن فان جوخ كان مريضاََ بالاكتئاب و الذي دفعه في نهاية الأمر للانتحار ولكن ما سبب هذا؟

“إنني مصاب بحمى التفكير، أفكر في ما حدث، وما سيحدث، وما قد يحدث، أفكر في الأشياء التي لن تحدث وماذا سيحدث لو حدثت فعلًا “
‏هذا ما قاله دوستوفيسكي الأديب الروسي والذي بلا شك مثال على العبقرية الأدبية على مر العصور.

وصف دوستويفكسي كثرة التفكير أو ما يطلق عليه هذه الأيام “Overthinking” بحمى التفكير، مرض يصيب الشخص يجعل عقله لا يكل ولا يمل من التفكير الزائد، ضروري أو غير ضروري بالمرة لا يهم.

أعتقد ان هذه كانت صفة مشتركة بين فينسينت فان جوخ و دوستويفكسي والتي بدورها أدت في نهاية الأمر إلى اكتئاب “العباقرة”.

لكن لما الاكتئاب لهؤلاء؟ كأشخاص متميزين يريد الكثير أن يصبح مثلهم، لماذا يصيبهم الاكتئاب الذي يقود بعضهم إلى الجنون؟

يعتقد البعض أن سبب الجنون هو أن طاقة وسعة العقل استنفذت بشكل أسرع من الطبيعي بالنسبة للشخص العبقري فأصبح مريضًا عليلاََ بعقله، ويعتقد البعض الآخر أن الجنون هو بسبب أن عبقرية الشخص وصلت إلى حد معين والذي من الممكن أن يغير من اتزان الكون فتكون النتيجة أن يصيبه الخالق بالجنون، كل هذه اجتهادات بدون إثبات وما كان لنا إلا أن نفكر أكثر بالأسباب.

هذا ما يفعله العقل بنا، يصيبنا الجنون إذا تملكتنا حمى التفكير، خذوها على محمل الجد لا على سبيل الدعابة، حمى التفكير دائمة وليست بعد منتصف الليل فقط، لا تستهينوا بها.