تعب القدمين يحكي قصة كفاح

لله درك يا أبي



استوقفتني هذه الرسالة التي تحمل بين طياتها أسمى المعاني وأنبل وأرق المشاعر من ابن لأبيه (دكتور محمد ثبات يخط هذه الكلمات  لوالده – حفظه الله وحماه وأدام عليه الصحة والعافية – في أسطر قليلة).

 

أثناء وجودي مع والدي في هذه المراحل العصيبة عليه صحيًا – وقد تملك المرض من قدميه – فأصبحت حركته لا تتعدى السنتيمترات .

نظرت إليه فوجدت كم كنا أنا وإخوتي السبب في هذا.

نظرت إلى هذا الرجل القوي الذي كان يعمل قرابة الإثني عشرة ساعة صباحًا في المستشفى، وليلًا في العيادة، غير فترات السفر، والتغرب، غير المشاوير التي ذاق فيها مر القيادة والمشي لمسافات؛ ليجعل منا رجالًا ذو ظهرٍ شديد الصلابة مثله.

لا ينحني أمام أمواج الحياة أبدًا.

المرض في قدميه؛ جعلني أتأمل مشواره الطويل في الحياة كم أخذه مشيًا، وركضا من أجلنا كنا هدفه وفي نهاية طريقه نحن، ونحن فقط، كان يسير فيه بلا ملل ولا تأسف.

عيناه لا تنظر إلى قدميه المنهكتين بل عيناه أمامه دائمًا علينا، حتى لو من بعيد،حتى لو لم نكن نراه ،عيناه لم تلمح قدميه المتعبة أبدًا بل كانت تلمح كل تفاصيلنا حتى تلك التائهة عنا.

دور الأم في أي بيت حيوي، ملموس، تعيه وتعيشه لحظة بلحظة من يوم ميلادك، أما دور الأب الخفي هذا لن تراه إلا بعد مرور الزمن وبعد السعي والجري في الحياة، سترى كم كان مشوار قدميه في هذه الحياة درع لك، كم حماك دون أن تشعر بوجود خطر من الأساس، هذا المشوار الذي سرق الأيام من عمره خلسة دون أن يشعر؛ ليروي بها أيامك انت دون أن تشعر .

عندي يقين أن هذا الرجل القوي الذي ربى بداخلي كل معاني الصلادة، والمثابرة قادر على تخطي هذه المحنة، وقبله ثقةً في الله تعالى.

أتأسف لك يا أبي على إنهاك قدميك في مشوار جعلي رجلًا وإن كان كل الأسف والشكر لن يفيك ابدًا ولو جزءًا ضيئلًا من حقك.