نقدر نبقى ألمانيا!

بعد كل الحروب، تقع الدول المشاركة فيها في فخ الأزمة الاقتصادية وقد تصل إلى حد الإفلاس، ولكن ماذا فعلت ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية؟



من أسوء ما يمكن أن تمر به أي بلد في العالم هو إفلاسها، ولكن ماذا لو دمرت دولة وانتهكت كرامتها وأصبحت منبوذة من البلاد،هل بإمكانها أن تقوم ثانيةً أم أن أمرها قد انتهى هكذا؟

موضوع إفلاس الدول انقسم فيه الناس لجزئين، جزءٌ يرى أن  أهم أسباب إفلاس الدولة إقتصاديًا هو شعبها في المقام الأول،والطرف الآخر يرى أن أسباب إفلاس الدولة هو الحاكم وحكومته وطريقة إدارته للدولة، وفي هذا الموضوع تحديدًا أحب أن أذكر تجربة هي من أهم التجارب التي حدثت على مر التاريخ، واحدة من أنجح التجارب الإقتصادية بعد أن كانت دولةً مفلسة وشبه مدمرة نهائيًا، وأصبح يضرب بها المثل حاليًا في قوة تصنيعها وبإقتصادٍ هو الرابع عالميًا.

(الماكينات الألمانية)

لا يستطيع أي عاقل أن ينكر أن هناك دولة في العالم أجمع استطاعت أن تصل للحالة التي وصلت لها ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية،ولا أن يختلف أحد على جنون هتلر وديكتاتوريته وطريقة إدارته العقيمة للبلاد، حيث وضع الشعب الألماني كل آمالهم على زعيمهم هتلر ليخلصهم من حالة الكساد التي كانت تجتاح البلاد.

لقد كان من أهم أهداف هتلر والحزب النازي هو تكوين إمبراطورية ألمانية قوية ليغزوا أوروبا حتى الولايات المتحدة (لا كان مجنون فعلًا)

تولى هتلر الحكم سنة 1933، وأول ما قام بهِ هو إعانة الشؤون العسكرية ولم يولي إهتمامه لمشاكل أكبر مثل البطالة، والإقتصاد الداخلي للبلاد لقد كان كل تركيزه في إعداد الجيش وتسليحه وقام بتخصيص 12 بليون مارك بدل من مائة مليون؛فقط من أجل إعادة التسليح والمؤن للجيش أشعل هتلر أولى شعلات الحرب العالمية الثانية بهجومه على بولندا واحتلالها؛لتكون أول حروب الحرب العالمية الثانية.

انقسمت الدول في الحرب إلى دول التحالف: وهي بريطانيا،الولايات المتحدة،فرنسا والإتحاد السوفيتي.
ودول المحور:وهي ألمانيا،اليابان وإيطاليا.
(وكلو بدأ يضرب في كلو)

كانت الضربة الأولى لهتلر حيث استطاع وبحلول عام 1941 إحتلال الكثير من أوروبا وشمال أفريقيا،
ولكن سرعان مالم يحسب الديكتاتور حسبته؛ حيث أدت زيادة الإنفاقات العسكرية إلى تضخم العملة و إنخفاضها إنخافضًا حادًا،وتدهور الحالة الاقتصادية للبلاد.

وفي ظل احتجاج قادة الحرب ومعرفتهم بعدم مقدرة ألمانيا على مواجهة روسيا؛ بسبب سوء الأحوال الجوية ونقص المؤن؛ بسبب بُعد روسيا عن ألمانيا، هنا أمر الديكتاتور هتلر مواصلة التقدم، ووقع الجيش الألماني فريسة الإتحاد السوفيتي في معركة هي الأشرس في تاريخ الحروب (معركة ستالينغرد)

وانقلبت الحرب رأسًا على عقب وأصبح النصر لدول الحلفاء على دول المحور، وخصوصًا بعد مأساة اليابان وتدميرها على يد أمريكا واستسلامها للحرب، بدأت أمريكا تفوق لألمانيا.

ومع دخول الإتحاد السوفيتي برلين انتحر هتلر عام 1945 مخلفًا دمارًا لبلاده، وهزيمةً قاسية مع خسائر بشرية كبيرة جدًا مع اقتصاد منهار لدرجة أن العملة أصبحت بلا قيمة، وعادت ألمانيا لنظام المقايضة مرة أخرى، وتم تقسيم دولة ألمانيا إلى:ألمانيا الشرقية وألمانيا الغربية بواسطة دول التحالف عبر جدار برلين.

عمدت الدول لتحويل ألمانيا من بلد صناعية إلى بلد زراعية غير مؤذية من خلال التفكيك الممنهج للمصانع، كما فرض على ألمانيا دفع تعويضات للحلفاء تعادل 24مليار دولار بدل الدمار الذي سببته ألمانيا في الحرب، تم تدمير مدن ألمانية بأكملها مثل مدينة درسدون وانخفض عدد سكان مدينة كولون من 750 ألف الى 32ألف، واقترح رجل أعمال يهودي يدعى (ثيودور كوفمان) منع ألمانيا من الإنجاب في كتاب سماه (ألمانيا يجب أن تسحق).

وتم تقسيم (التورتة) بهذا الشكل على أمريكا وروسيا، فأصبح شرق ألمانيا لروسيا بنظامها الإشتراكي وغربها لأمريكا بنظامها الرأسمالي.

وفي هذه اللحظة كان أمام الشعب الألماني خياران لا ثالث لهما،إما المقاومة او الاستسلام و الموت

وفي سنة 1948 كان الشعب الألماني يقف 9 ساعات ونصف لإزالة الأنقاض فقط بالإضافة إلى دوام العمل اليومي حيث كان أقل عامل يعمل لأكثر من أربع ساعات يوميًا.

وفي ألمانيا الغربية (وُلد الإقتصادي الكبير إيرهارد)

سنة 1944 قدم مقالة افترض فيها خسارة النازيين وقدم تصور للإقتصاد الألماني،وبسبب هذه المقالة عينته الولايات المتحدة بعد الحرب وزيرًا للمجلس الإقتصادي لألمانيا الغربية.

وبدأ إيرهارد بإعادة الإقتصاد الألماني من خلال خطوتين.

أولًا:
العمل مع الحلفاء لإستصدار مارك ألماني جديد وتغيير العملة بدل العملة البائدة ونتيجةً لهذا؛تم تقليص العملة البائدة المتوفرة في السوق بنسبة 93%.

ثانيًا:
في نفس اليوم الذي أعلن فيه إيرهارد العملة الجديدة قام بإلغاء سياسات التحكم بالأسعار المفروضة من الحلفاء.

تعرض إيرهارد لإنتقادات من قبل الحلفاء ومن العالم؛ بسبب إلغاء التحكم بالأسعار،لكن في هذا اليوم استطاع أن يثبت إيرهارد أنه على الطريق الصحيح حيث عادت ألمانيا الغربية للحياة من جديد حيث انتهت السوق السوداء وانتهت عمليات المقايضة (لِما حس الألمان أن عملتهم بقت ليها قيمة).

بعد الخطوتين السابقتين استطاع إيرهارد كسب ثقة السياسين؛ لقدرته على تولي الأزمة الألمانية.

وبدأ إيرهارد بخطوات ثابتة نحو رفع الاقتصاد الألماني، حيث تبنى إيرهارد نموذج سماه (إقتصاد السوق الإجتماعي)

-قدم النموذج توفير المنتجات بقدرة اقتصادية عالية و عمل أيضًا على تلاشي المنافسات الشرسة،والإحتكارات، واستغلال العمال والمعاملات التجارية الضارة.
-كما وضع سياسات إجتماعية لحماية الفرد والعمال.
ونتيجةً للخطوات البسيطة التي قام بها إيرهارد؛ أرسى المجتمع المدني شركات مساهمة؛ لإنتاج ولإعادة الإعمار بالتعاون مع البنك فظهرت شركات كبرى مثل مرسيدس وفولكس فاجن.

نظر أيضًا إلى موضوع البطالة وبدأ بالقضاء عليه بأن ربط الشركات الصغرى والمشروعات الصغيرة بالشركات الكبرى وسرعان ما تحولت الشركات الصغرى لمتوسطة لتستوعب المزيد من العمال وبذلك تم القضاء على الأيدي الغير عاملة في ألمانيا نهائيًا.

في عام 1971 دفع الألمان آخر دفعة من تعويضات الحرب العالمية الثانية، وفي عام 1989 قاموا بالقضاء على جدار برلين لتتوحد ألمانيا من جديد، وتصبح ألمانيا الآن من أكبر القوى الإقتصادية في العالم بمعدل إنتاج الثالث عالميًا والأولى في قارة أوروبا حيث يبلغ إنتاج ألمانيا 20% من إنتاج القارةوأصبح دخل الفرد حاليًا في ألمانيا يقدر ب49 الف دولار سنويًا، والثالث عالميًا في تصدير واستيراد البضائع، وأعلى إنتاجية عمال في العالم.

أخيرًا وليس آخرًا!بعد ثورة يناير المجيدة في عام 2011 وبعد أن تم عزل مبارك نزل الشعب المصري للشوارع ونزل الشباب ميدان التحرير لتجميل الميدان وتنضيف آثار الدمار المُخلف،لما شعرنا أن هناك أمل أن تعود مصر من جديد؛أصبحنا جميعًا يدًا واحده بدون عنصرية من أحد على أحد.

بالطبع لن أقارن هذا المجهود البسيط بالمجهود العظيم الذي بذله الشعب الألماني في إزالة أنقاض الحرب.

لكن المجهود البسيط الذي حدث كرد فعل مع المواقف الدرامية التي حدثت أثناء الثورة كان أكبر دليل على رغبة الشباب والشعب في النهوض بالدولة (وكنا نقدر نبقى ألمانيا التانية) لكن كان ينقصنا الإدارة ربما!أو ربما كان ينقصنا القليل من الحظ!

أخيرًا، أحب أنهي المقال بمقولة عظيمة للفيلسوف الكبير نعوم تشومسكي لما قال:
“لا يوجد شيء اسمه بلد فقير، يوجد فقط نظام فاشل في إدارة موارد البلد”

 

صور لألمانيا بعد الحرب العالمية وألمانيا الآن هنا

المصادر:

مصدر1

مصدر2

مصدر3

معلومات عن جدار برلين هنا

معلومات عن معركة  ستالينغرد هنا

مصدر الصورة