رواية “البؤساء” أكثر من مجرد رواية

هي حالة تشعر بها مع كل حدث.



تعتبر رواية البؤساء من روائع الأدب العالمي للأديب “فيكتور ماري هوجو” أو كما يدعى ” فيكتور هيجو “، فهو أديب و شاعر فرنسي و له العديد من الروايات التي تُرجمت إلى أغلب اللغات المنطوقة و من أشهر تلك الروايات رواية “أحدب نوتردام” و التي تلي البؤساء في شهرتها عالمياً.

تم نشر رواية البؤساء أو البائسون (بالفرنسية: Les Misérables) في عام 1862، و تعد من أشهر روايات القرن التاسع عشر، كان “هوجو” يصف و ينتقد في هذا الكتاب الظلم الاجتماعي في فرنسا بين سقوط نابليون و الثورة الفاشلة ضد الملك لويس فيليب، إنه يكتب في مقدمته للكتاب: “تخلق العادات والقوانين في فرنسا ظرفاً اجتماعياً هو نوع من جحيم بشري، فطالما توجد لا مبالاة و فقر على الأرض، كتب كهذا الكتاب ستكون ضرورية دائماً”.

في لحظة من تلك اللحظات التي تغلق فيها آخر صفحة من الكتاب و تبقى ذاهلاً مشدوهاً مما فيه!
في البداية كنت أقضي خمس ساعات متفرقة في القراءة فقط لكي أنتهي، ثم أصبحت أقضي الساعات نفسها وما يزيد، لقد رافقتني هذه الرواية في كل مكان تقريباً، كانت كطفلٍ صغير أضعه بين يداي وألقي على مسامعه بعض الهمسات، تلك الهمسات التي تعبر عن انفعالاتي بين الأحداث، “ثورة البائسين” أو “ثورة البؤساء” هذا ما أُفضّل إطلاقه على هذه الرواية العظيمة، هذه الرواية التي شوهتها تلك الأفلام و النسخ المختصرة التي ركزت على إبراز جانب و إخفاء جوانب عديدة أخرى و التي تُعد جزء لا يتجزأ منها، كل تلك السنين التي قضاها “هوجو” لإنتاج رائعته لم تذهب سدى، فصداها لا يزال يتردد حتى هذه اللحظة “رواية تاريخية اجتماعية اقتصادية تحمل طابع مأساوي”، تعرض الرواية طبيعة الخير والشر و القانون في قصة أخَّاذه تظهر فيها معالم باريس، الأخلاق و الفلسفة و القانون و العدالة و الدين و طبيعة الرومانسية و الحب العائلي، كل بناية و كل قصر و كل بيت و كل شارع و كل شجرة و كل حجر في فرنسا له تاريخه الذي ساهم بشكل أو بآخر في صياغة هذه الرواية فما بالكم بالأشخاص الذين كانوا هم المحرك الأساسي لها مثل “جان ڤالجان” و “فانتين” و “كوزيت ماريوس” و “غافروش”، و بالطبع “المفتش جاڤيير” هذه أكثر الشخصيات تأثيراً و أكثر الشخصيات التي غاص فيكتور في تفاصيل يومها و حياتها لحظات اليأس و الألم و الحاجة و النشوة و الغيرة، نزاعات الخير و الشر، النور و الظلام، الفضيلة و الرذيلة، الأنانية و حب الغير و إثارهم عن النفس، القوة و الضعف، الرغبة و الحاجة، الفقر و الغنى، الإيمان و الإلحاد و غير هذا الكثير لا يمكنني الحصر، فقد وصف “هوجو” الكثير من المعالم التي وضح فيها الفترة الزمنية التي ولدت فيها أحداث القصة و ذلك عن طريق إبراز بعض ملامح الثورة الفرنسية، الثوار و الجمهورية الفرنسية و الشعب الفرنسي و الوطن و الجند و البؤساء و موقفهم من الثورة.

معظمنا وضع “ديستوفيسكي” محامي للإنسانية و هو وحده من أجاد وصف الإنسان ووصف خلجات الإنسان، لكن “فيكتور” في هذه الملحمة اعتلى قمة المجد و احتل عرشها بل و تربع أيضا.

كل ما كان يعجبني في المجلد الأول أصبحت أراه حسنة من الحسنات و أحد أهم دعائم الرواية، عشت مع الشخصيات و أحببت “جان” بإخلاصه ويقينه وتفانيه وبذله للخير و تكفيره للخطايا و صراعه مع أفكاره و ضميره، و أعجبت “بجافيير” رغم سلطته و مع هذا كانت للشفقة نصيبها الأكبر في سبيل نهاية “جافيير” الغريبة، كان يثير أعصابي و يرهقني في كل مرة يخرج فيها أمام “جان” كعفريت العلبة أو طيف شبح يطارده حتى أن الحماسة تأخذني و تمتزج بشئ من الشفقة، حين أنظر إلى حياة تلك الطفلة الصغيرة البائسة ذات الملابس البالية المقطعة التي لا تكاد تغطي جسدها، أراها و هي تضرب و تعاقب و تكنس الأرض و تخدم، تلك الطفلة التي تدعى “كوزيت”، كانت خليقة بكل تلك السذاجة و الطيبة التي أرهقتها في بداية حياتها فما عانته لم يكن قليلاً أبداً.

ماذا أقول أيضا؟ و عن ماذا أتحدث؟ بودي أن أسرد التفاصيل و أحللها و أسكب فيها كل ما جال في ذهني وقتها لكن أخشى أن أفسدها بهرائي هذا.

المهم أن هذه المراجعة لا تعني في النهاية سوى أن هذه الرواية لم تكن غارقة في الرومانسية بل أحترمت خصوصية العاشقين بتلك الوصوف الراقية المذهلة، وصف فيكتور لعلاقة الحب القدسية التي لفت “كوزيت” و “ماريوس” كأنهما روحان هبطا من الجنة، أظن أنني لن أجد مثلها أبدا في كل الكتب، هذا الأحترام و تلك الحشمة في انتقاء الكلمات تجعلني أتسائل سبب تدني وصوف الكُتّاب إلى حد البذائة و الحقارة و التعري الفاضح!

هذه المراجعة لا تعني سوى أن هذه الرواية أعمق بكثير من كل النسخ المختصرة الأخرى و من كل الأفلام و من كل الكلام الذي قيل وسيقال عنها.
هذه الرواية لا يعبر عنها سوى من قرأها كاملة.