أساتذة الأكاديمية أبطال أكتوبر

د. محمد الوكيل ود. أحمد سرحان ودورهم العظيم في نصر أكتوبر المجيد



تمر الأيام والشهور والسنوات وتبقى حرب 73 أكثر اللقطات المضيئة في تاريخ القوات المسلحة المصرية ، بفضل هؤلاء الرجال لم تكن الكرامة ردت لمصر بعد نكسة  67، 6 سنوات من الحسرة والخسارة على وجهه كل مصري من أصغر طفل إلى أكبر شيخ ، ليرد لنا هؤلاء الرجال الأشداء لنا أرضنا التي اغتصبت مننا غصباً ، راح منهم الكثير من القتلى -نحتسبهم عند الله شهداء- وسالت الكثير من الدماء الزكية على هذه الأرض الطهور لكى نسترد أرضنا ، وكل هذا بفضل الله أولاً وأخراً ودعمه لرجال القوات المسلحة المصرية ليوفقنا الله وننتصر في هذه الحرب على عدونا اللدود مهما طال الزمان.

فكل من جاهد في هذه الحرب يجب أن يكتب اسمه في كتاب التاريخ بالذهب ، وفي الأكاديمية أبطال شاركوا في هذه الحرب ، منهم الدكتور أحمد سرحان والدكتور محمد الوكيل.

دكتور محمد الوكيل تخرج من الكلية الفنية العسكرية في أبريل 1967 أي قبل نكسة 5 يوليو 1967 وكان من المتفوقين في الكلية ، فتم إصدار قرار بأن المتفوقين من الخريجين سيبقون لتحضير الماجستير والدكتوراه ، ولكن كانت القوات المسلحة في أشد الاحتياج لكل رجل قادر على مساعدتهم في تلك الحرب ، ومن هذا الوقت بدأت حرب الاستنزاف فتم تحويله هو وباقي الخريجين المتميزين إلى وحدات القوات المسلحة لأنهم تلقوا الخبرة على أيدي خبراء من تشيكوسلوفاكيا ، فتم توزيع كل منهم على تخصصه وكان تخصص دكتور محمد الوكيل في توجيه الصواريخ ، فتم توزيعه إلى الورشة المتنقلة للصواريخ (المضادات للطائرات) وكانت تلك الورشة في ورشة الأسلحة والذخيرة وبعد ذلك تم عمل الورشة الرئيسية للصواريخ.

كان دكتور محمد الوكيل يعمل في طقم إصلاح المهندسين المتميز في مجال كتائب الصواريخ ، وطبيعة العمل كانت المساعدة في عمل الكمائن للطائرات وتغير المكان يوميا لكي لا يتم تحديد الهدف من قبل الغارات الإسرائيلية ، فكان يتم تجهيزها ليلاً لأن الطائرات في وقتها لم تكن بالتقنية العالية ليكون فيها أجهزة الرؤية الليلية ، فيتم تجهيز الكمائن ليلاً ويتم ضرب الطائرات صباحاً ، ومع أول إطلاق للصواريخ واستهداف الطائرات يتم تحديد مكان الإطلاق وفي الغارة التالية يتم تحديد مكان إطلاق الصواريخ ، فيتم الاختفاء داخل الصحراء في (الدُشم) وهو عبارة عن خندق أو حفرة في الجبل ويتم تثبيتها بالأسمنت.

وظل مستمراً من سنة 1968 إلى سنة 1970 ثم تم التصريح بعمل معاهدة وقف إطلاق النار بين مصر وإسرائيل في سنة 70 ، وتم استغلال هذه المعاهدة في سفر مجموعة من الضباط المهندسين لروسيا لتعلم كيفية التعامل مع الكتائب الروسية الحديثة ، فسافر ثلاث لواءات كل لواء مسؤول عن ثلاث أو أربع كتائب لمدة 6 أشهر للتدريب بعيد عن مصر ، فتم تفريق اللواءات وذهب كل منهم إلى منطقة، فذهب الدكتور محمد الوكيل إلى منطقة تسمى (كازخستان) في الصحراء شديدة البرودة ، كانت هذه المأمورية في غاية السرية ، فلم يخبر أي شخص مِن مَن سافر أي أحد من أسرته، ظلوا هناك 6 أشهر من يناير إلى يوليو سنة 1970 ، وفي العودة أيضا للحفاظ على السرية المهمة ، تم نقلهم هم والمعدات مباشرة إلى أماكن إطلاق النار دون العودة إلى أسرهم لكي لا يقول أي شخص منهم عما حدث هناك ، كل مجموعة ذهبت إلى مواقع مختلفة في أبو السلطان وفايد ، وكان دكتور محمد الوكيل في أبو السلطان ، ظلوا هناك من 1970 إلى 1973 في معاهدة عدم إطلاق النار ، وعلى مدار الثلاث سنوات كان يوجد في الكتائب خبراء من روسيا للمساعدة في حالة حدوث أي مشكلة في المعدات ، ولكن الرئيس الراحل “محمد أنور السادات” أمر برحيل الخبراء الروس ، ومعنى ذلك أنه لن يحدث حرب وسوف يتجه للمعاهدة السلمية ، وهذا كان من ضمن الخداع الاستراتيجي لكي يخمد نار أمريكا وإسرائيل ، ولكن قبل رحيل الخبراء الروس كان يستلم منهم خبراء مصريين والتأكد من حالتها الفنية والتأكد من كل الأجهزة ، فتم اختيار دكتور الوكيل ومعه شخص أخر يدعى محمد سلَّام أن يصبحوا قادة طقم الإصلاح أو طقم التسليم والتسلم ، ولم يكن يوجد سوى طقمان للتسلم من الروس والتأكد من الحالة الفنية للكتيبة ، ظل الدكتور محمد الوكيل يمر على كل الكتائب لمدة 6 أشهر إلى أن تسلم كل الكتائب ، وبعدها ذهب إلى وزارة الإنتاج الحربي ولم يرجع على كتيبته ، وبعد عودته إلى الوزارة قامت الحرب مباشرة ، وبعد الحرب في عام 1974 أستكمل الدكتور محمد الوكيل دراسته في الفنية العسكرية وأصبح أستاذاً بها حتى أصبح على المعاش ؛

احتفال الجنود بالنصر

وفي وقت الحرب كان دكتور أحمد سرحان بالحرب برتبة نقيب يعمل في (الورشة الرئيسية للصواريخ) ، وفي هذه الورشة تتم إصلاح الكتائب التي تم استهدافها وأيضا الكتائب التالفة الموجودة في التل الكبير في ورشة (مرتجع العمليات) ، كانت قدرة الورشة إخراج كتيبة صالحة للعمل بيها سنويا ، ولكن يوجد في 12 ورشة داخل الورشة الرئيسية ، فكان يتم إخراج 12 كتيبة سنويا ، والكتائب التي تضرب وتستهدف تعود للإصلاح وعلى الفور تعود السيارة إلى مكانها على خط إطلاق النار محملة بكتيبة أخرى لكي لا يحدث عجز في منطقة معينة.

كان دكتور أحمد سرحان من ذوي الخبرة في الحروب لأنه من أقدم الضباط في هذا الوقت ، فكان على رهان مع قائده الذي يدعى (أحمد حسين عزمي) على أن الحرب ستقام يوم السبت 6 أكتوبر ، لأنه استخدم دهاء الحرب في ذلك ، لأن يوم السبت هذا كان عند اليهود عيد يحتفلون بيه سنويا ، حتى أتى يوم السبت وظلوا منتظرين إلى الساعة 2 ظهراً وبدأت الطائرات تقذف القواعد الاسرائيلية في سيناء وبدأت الحرب.

وفي وقتها كانت محافظة (بورسعيد) مستهدفة بشدة من قبل الإسرائيليين للسطو عليها هي الأخرى ، فتم تكوين مجموعة من الورشة الرئيسية وتذهب إلى بورسعيد لتكون كتيبة هناك لمنع اليهود من احتلالها ، فتم تكوين المجموعة وكان من ضمنهم دكتور أحمد سرحان ، وكانت المجموعة بقيادة (عبدالمنعم دهينه) ومعهم عدد من المهندسين والفنيين ، وكان معهم مهندس قعيد أصيب بالشلل في حادثه قبل التحاقه وعملة في الورشة الرئيسية يدعى (باهي مرتجي) ولكن كان مُصر على الذهاب معهم وبكى بالدموع لكي يذهب معهم ، وبالفعل ذهب عدد منهم بقيادة الرائد عبدالمنعم دهينه ومعه الدكتور أحمد سرحان وباهي مرتجي ، كان موقعهم في بورسعيد في قيادة الواء 98 ، وكان قائد اللواء العميد الفليب كان في موقع القائد وظللنا منتظرين الكتيبة لأنها قادمة من مرسى مطروح ، إلى أن جاءت الكتيبة وتم تركيبها ومع أول غارة للطائرات الإسرائيلية تم الانتصار عليها ، ولكي لا يمكن تحديد مكان الكتائب يكون بجوارها محدثات دخان فحدث تسريب لهذا الغاز مما أدي إلى اختناق جميع من كانوا في الكتيبة بما فيهم الدكتور أحمد سرحان ، ولكن تبقى منهم فقط اللواء عبدالمنعم دهينه ، وقام بعمل الكتيبة بأكملها بمفرده ، إلى أن جاء الطبيب وساعد كل الضباط والعساكر والفنيين جميعاً .

ومرت فترة لم يكن هناك طعام في الكتيبة لمدة ثلاث أيام ، فخرج الدكتور احمد سرحان ومعه عسكري سواق إلى بورسعيد لجلب الطعام من القاعدة في بورسعيد ، وكان الخروج وقتها يعني الموت لأن الطائرات كانت تستهدف الطرق ، وفي العودة كانت هناك رائحة (كباب) يشتمها الدكتور أحمد سرحان فذهب إلى مصدر الرائحة وكان محل يدعى في وقتها (التميمي) فأخرج ما في جيبه من مال لشراء ال(كباب) من المحل ، وحين علم صاحب المحل أنه من الكتيبة 98 لم يأخذ منه مال واعطاه كل ما في المحل من لحوم وكباب تقديرا وعرفان له بما صنع هو باقي الكتيبة ، وعاد إلى الكتيبة وهم كانوا في انتظار خبر وفاته لأن لا أحد يخرج إلا ويموت ولكنه عاد ومعه الطعام من القيادة وأيضا معه ال(كباب) ، فأكلت الكتيبة بأكملها.

وفي اليوم التالي وهم في انتظار خطاب الرئيس السادات ، سمع الرائد عبدالمنعم دهينه صوت طائرات من بعيد ولم يسمعه غيره ، فذهب الدكتور أحمد سرحان إلى منطقة مرتفعة لكي يرى الطائرات ، واذ بالقذائف تهبط من الطائرات على الكتيبة وتنفجر، ويقذف دكتور سرحان في المياه ، ويعود سريعا لليابسة لكي يساعد باقي الكتيبة التي تم ردمها بسبب القذيفة ، ظل يحفر في الأرض لكي يساعد الرائد عبدالمنعم دهينه، فقال له إن خلفه باهي فظل يحفر ليحاول ان يلحق باهي من الموت إلى أن وجد يده ، فظل يحفر بشدة واستطاع أن يخرجه ، وفي نفس الوقت ضربت قذيفة للمرة الثانية ، قذف للمرة الثانية في المياه ، فكر أن يبعد عن المكان الذي يضرب ويخرج من المياه في الجنب الآخر ، ولكنه لم يلحق لأن القذيفة الثالثة كانت في المياه صنعت دوامه أخذ فيها الدكتور أحمد سرحان للقاع ظل يحاول الخروج إلى أن استطاع الخروج من المياه وبمجرد خروجه من المياه فقد الوعي ، استيقظ وجد نفسه في خزان مياه ومعه الكثير من العساكر ، أشار عليهم أن الخزان مكان مكشوف وأن الطائرات بمجرد الانتهاء من الكتيبة ستضرب الخزان ، فخرجوا جميعاً وبعد 10 دقائق أو أقل تم ضرب الخزان ، وبما أن الدكتور سرحان كان أكبر العساكر والضباط وأكثرهم خبرة هو من قاد المجموعة ، ظلوا يتحركون إلى أن وجدو مجموعة مثلهم وكان قائدها باهي مرتجي يمشي في مقدمتهم الذي أصيب بالشلل قبل الحرب وكانت هذه معجزة من الله وفرحة شديد للدكتور أحمد سرحان ، واجتمع المجموعتين وأصبحوا مجموعة واحده ، إلى أن وجدو سيارات تقلهم إلى نقطة التجمع ، فقد الدكتور أحمد سرحان الوعي ثانية لأنه نزف الكثير من الدماء ، وتداول وقتها خبر وفاته في الكتيبة وفي وقت وصل الدكتور أحمد سرحان الورشة كان بيتم تبليغ قائد الورشة بوفاته ولكن عندما راه قائد الورشة صرخ وقال أنه مازال حي يرزق ، وتم نقله للمستشفى لعلاج ما به من إصابات فكان ظهره قد حرق ودخول في أذنه صدف البحر ، ولكن وهو على الفراش في المستشفى قال “أبقى أنا هنا والحرب قائمة” ، فخرج مسرعاً وذهب للسيارات لتنقله لأرض المعركة ، وقد تم إخراج للدكتور أحمد سرحان شهادة وفاه ومازال له شهادة وفاة في الجيش إلى الأن.

حرب أكتوبر تظل دائماً فخر لكل المصريين ، لأن فيها تم استرداد كرامة كل فرد في الشعب المصري ، راح الكثير من القتلى -نحتسبهم عند الله شهداء- لأجل تحرير هذه الأرض وسالت الكثير من الدماء للدفاع عنها ، فيجب ألا نفرط فيها مهما حدث حتى إذا قدمت لنا الدنيا وما فيها ، هذه أرضنا وأرض أجدادنا وسال عليها دماء أهلنا وأخوتنا ، لابد أن نحافظ عليها بأرواحنا مهما حدث ومهما طال الزمان.

 

 

مصدر الصورة: 1