هل للحب دين؟

سوف تثبت الأيام دائما أن اختلاف الأديان يقف حاجزًا بين العاشقين



كان بيت الحاج “عبد الباسط” في قرية الشعراوية في أقصى الصعيد مليء بالأفراح و الزغاريد؛ لأنّ نتيجة تنسيق الثانوية العامة الخاصة بابنه الوحيد “محمد” ظهرت، و تم قبوله في كلية الهندسة جامعة القاهرة أخيرًا وتحقق حلم الحاج “عبد الباسط”، سوف يرى ابنه مهندسًا حيث أنه أنفق الكثير من المال في الثانوية العامة ليصبح ابنه مهندسًا كما تمنى طيلة حياته.

اِستيقَظ “محمد” على قبلة أمه و هي تقول له ” مبروك يا باشمهندس “، كان تأثير هذا الخبر عليه عظيم، فهو تمنى كثيراً أن يدخل كلية الهندسة لما سمعه من أساتذته في الثانوية عن كلية الهندسة، والمكانة العلمية الكبيرة التي يحصل عليها المهندس .

بعد أيام من ظهور التنسيق أقترب موعد بداية العام الدراسي، ذهب الحاج “عبد الباسط” إلى ابنه و أخبره أين سيعيش في القاهرة، وأعطاه بعض النصائح منها الإهتمام بالدراسة، والبعد عن أصحاب السوء، والبعد كل البعد عن السياسة، والشباب الذين يتحدثون بها، وحثه على الإهتمام بفروض الصلاة، والتقرب إلى الله، والبعد عن كل الشهوات التي يحرمها الله، وشَدِّد على هذه النقطة قائلاً له ” انظر يا ابني إنّ القاهرة محافظة الشياطين و مليئة بالمعاصي”، وأنهى حديثه بتقبيل رأسه و الدعاء له أن يحفظه اللّٰه من كل سوء.

استقل “محمد” القطار المتجه إلى القاهرة حيث لا يتبقى على العام الدراسي سوى يومين.

بدأ العام الدراسي، وذهب إلى الكلية بحماس منقطع النظير حيث أنه محمل بالكثير من الأحلام والطموحات، كان الجدول الدراسي الخاص به في هذا اليوم يبدأ بمحاضرة فيزياء، ذهب و حرص على الجلوس في أول المدرج لسماع كل كلمة يلقيها أستاذ المادة، وأثناء المحاضرة عرض أستاذ المادة سؤالًا فيزيائيًا على الطلاب لم يستطع أحدٌ منهم الإجابة عليه، وبينما يستعد أستاذ المادة للإجابة عليه إذا بفتاةٍ طويلة الشعر ممشوقة القوام تقف بكل ثقة، وتجيب على السؤال حتى نالت إعجاب الجميع وصفقوا لها، كان لها جمالٌ جذاب يذيب القلوب، وقد ذاب قلب صاحبنا ومنذ أن تكلمت وجاوبت على السؤال وهو لم يعطِ لأي شيءٍ آخر أي اهتمام، واستمر في التحديق بها حتى أنه لم يعلم أن المحاضرة قد انتهت حتى استأذنه طالب يجلس بجانبه في المرور.

عاد إلى بيته في القاهرة وظل يفكر بها وكأنه فُتِنَ بجمالها، قرر أنه لابد من أن يتقرب منها.

في اليوم الثاني ذهب إلى الجامعة وهو مُنهَكٌ من قلة النوم، فكيف يأتي النوم وهو يفكر في الملاك التي رآها بالأمس، فمحمد من الشخصيات التي لا تؤمن بالحب، ويرى أن كلمة الحب ما هي إلا كلمة تستخدم في الأغاني والأفلام ولا توجد في الواقع، ولكن كل شيء تغير الآن، فأصبح عاشقاً من الدرجة الأولى، فعندما يراها يشعر أنه في عالم آخر، عالم لم يعرفه من قبل، فللحب عوالم لا يعرفها إلا العاشقون.

حاول في الكثير من المناسبات التقرب منها أو حتى معرفة اسمها – هذا الملاك – التي استطاعت أن تسيطر على قلبه و عقله ولكنَّه فَشَل؛ لأنه لم يكن لديه أي تجارب سابقة مع الجنس الآخر إلى أنْ لعبت الصدفة دورًا هامًا في حياته، ففي يوم كان يجلس فيه في مكتبة الجامعة يقرأ رواية لكاتبه المفضل “أحمد خالد توفيق”، فكان مغرمًا بقراءة الروايات، وإذ بيد تلمس كتفيه و تستأذنه في الجلوس بجانبة لتسأله عن شيء، فيلتفت ليجد هذا الملاك الذي غير مسار حياته منذ أن رآه، لم يصدق عينيه في الوهلة الأولى، واستمر بالتحديق بها، ثم سمح لها بالجلوس، وقالت له “من أين حصلت على هذه الرواية؟ فلقد كنت أبحث عنها منذ فترة كبيرة، هل أستطيع أن أستعيرها عندما تنتهي من قراءتها؟ “، أجابها – وكان لا يصدق عينيه فأخيرًا الفتاة التي حلم أن يتحدث معها ولو لدقيقة تقف أمامه و تحدثه – واستجمع قواه، وقال لها “تستطيعين أخذها، فلقد قرأتها من قبل”.  استمر الحديث بينهما في هذا اليوم لساعات، ومن شدة لهفته لهذه الكلمات المتبادلة بينهما لم يتذكر أن يسألها عن اسمها.

كان هذا اليوم بالنسبة له كالعيد؛ حيث أنه لم يستطع أن ينام عندما عاد إلى منزله من شدة السعادة، فظل يتذكر جمال عينيها الساحرتين، وشفتيها اللتين كانتا كلما تنطق بالكلام يرقص قلبه من فرط السعادة.

في اليوم التالي استيقظ مِن نومه و السعادة تملأُ قلبه، و ذهب للجامعة وجدوله الدراسي يبدأ بمحاضرة رياضة، فذهب و جلس بجوارها، وعندما انتهت المحاضرة ذهبا إلى مقهى بجانب الكلية وأول سؤال قرر أن يسألها إياه هو عن اسمها فجاوبت بمنتهى التلقائية “اسمي كريستين ميخائيل، وأنت؟” جاوبها والدهشة في عينيه “اسمي محمد عبد الباسط”. بدأت الدهشة تظهر أيضًا على وجهها و لكن مع الوقت تغلبت عليها، هي تؤمن أن لكل شخص حرية الاعتقاد و أنها لا تتعامل مع الشخص على أساس دينه و إنما المقياس عندها بمدى الإنسانية داخل هذا الشخص، ولكن كان من الصعب على شخص مثل “محمد” قادم من الصعيد أن يكون أول تعامل بينه وبين الجنس الآخر يكون مع فتاة ليست على دينه، عاد إلى منزله وكثير من الأفكار تشغل باله، كيف يقع في غرام فتاة ليست على دينه! وما هو رد فعل والده الحاج “عبدالباسط” عندما يعلم أن ابنه وقع في حب غير مسلمة! وبعد كثير من التفكير قرر أنه لن يستمع إلى عقله، إنما سيجعل قلبه يقوده.

بدأت علاقتهما  تكبر يومًا بعد يوم حتى صارا مُقَرَّبَيْن، كان هناك الكثير من الأشياء المشتركة بينهما فتَعلَق محمد بها، ولم يعبأ بالإختلاف الديني بينهما، فكان يحب مشاركتها في سماع الترانيم، وكانت لهما ترنيمة مفضلة تسمى” غالي عليك “، ولم تكن هي الأخرى تعبأ بهذا الإختلاف، فكانت تجلس معه ويستمعون إلى تواشيح ” الشيخ النقشبندي”، كانا يجدان متعة الحياة سويًا.

وفي يوم بعد انتهاء محاضرتهما وكعادتهما ذهبا إلى مقهى بجانب الكلية ليتحدثوا قليلًا، نظر محمد إلى عينيها نظرة طويلة مليئة بمشاعر لا يستطيع السيطرة عليها، فهي مشاعر الحب و العشق، ثم قرر أن يعترف لها بحبه، ثم قال لها  و هو ينظر إلى عينيها الساحرتين: “كريستين أنا أحبك”، سالت الدموع على وجهها بعد هذا الاعتراف، ثم سكتت قليلًا و قالت له “هذا الحب باطل ولا يجوز لأننى مسيحية وأنت مسلم، وديني يمنعني من الزواج بغير المسيحي، فأنا حقًا أحبك و لكن لا أستطيع أن أخالف ديني، لا بد أن نفترق يا محمد” ، يرد عليها  والدموع تملأُ عينيه: “ولكن نحن لم نختار أن نكون مسلمين أو مسيحين نحن نرث هذه الأديان، ثم إن الحب لا يعرف دينًا! “، سكتت كريستين ثم قالت له “لن أنساك يا محمد سوف أظل أتذكرك كلما استمعت إلى تواشيح ” النقشبندي “، و حين تفتقدني استمع إلى ترنيمتنا المفضلة، إلى اللقاء في عالم لا تفرق فيه الأديان الأحبة.