ولاء الأنشطة “الطلابية” هل للطلبة أم للإدارة؟

منذ أنشأ الإغريق الأنشطة الطلابية في مدارسهم، واستحدثت من قبل جين ديوي في ولاية شيكاجو عام 1896، فأنها ومازالت تعتبر منبراً من منابر التنوير والتأثير في حياة الشباب للأفضل



عندما بدأت الأنشطة الطلابية في الظهور في أوائل القرن العشرين، كانت تحمل على عاتقها رسالة مهمة، ألا وهي إثراء الشباب في شتى النواحي، العلمية، الثقافية، والمهنية، بل وتعمل على تنمية مواهبهم وقدراتهم لدفعهم للتأثير وعمل البصمة الخاصة بهم في مجتمعهم، وقد أثمر عن هذا العديد من الأحداث التي أثرت في عالمنا، أهمها على المستوى العالمي، كانت الثورة الطلابية الفرنسية التي انطلقت في شهر مايو عام 1968، والتي اندلعت من قبل طلاب جامعة السربون ليتضامنوا مع طلاب جامعة باريس الذين طردوا من قبل جامعتهم، ولكن لم يتوقف الأمر عند هذا الحد بل تتطور من انتقاد إدارة هذه الجامعة ومناهجها إلى نقد المجتمع ككل، وتتضامن معهم نقابة العمال بعدما أعجبوا بشجاعتهم واستمالتهم بكل ما يملكون من عزيمة وإصرار ومتاريس للوقوف أمام غشم القوة المميتة المستخدمة من قبل النظام الفرنسي، بل وجدوا في هؤلاء الطلاب ضالتهم المنشودة في إحياء كفاحهم ضد نفس النظام الذي اندثر منذ شهوراً قليلة، وبدأ الطلاب والعمال يداً بيد في إشعال بصيص من الأمل للعامة، الأمر الذي تحول إلى أكبر إضراب عام في تاريخ فرنسا بأكمله، 9 مليون عامل شارك في هذا الإضراب، وقد نتج عن هذا الإضراب الذي بدأه الطلاب، تغيير في حياة المجتمع الفرنسي في جميع الجوانب السياسية، الاقتصادية، والفلسفية، والأهم أنهم سمحوا من وجهة نظري إلى تكوين فرنسا جديدة، مبادئها مبنية على الحرية والعدالة الاجتماعية.

وعلى المستوى الإقليمي، كان الطلاب الإيرانين عماد التظاهر والاحتجاج ضد حكم الشاه في سنواته الأخيرة قبل عام 1979 العام الذي شهد سقوطه، ففي عام 1978 استخدم الجيش القوة الغاشمة لفض التظاهر، الأمر الذي نتج عنه استشهاد العديد من الطلاب في هذه الواقعة، الواقعة التي أحدثت سلسلة من المظاهرات التي أدت إلى إسقاط حكم الشاه وانتصار الحركة الطلابية.

وعلى المستوى المحلي بدأ حراك الطلاب مبكراً وبدأ على المستوى السياسي في ثورة 1919، عندما كانوا في طليعة المتظاهرين في الوقوف ضد الإنجليز، وعلى مر العقود المتتالية نرى انتفاضات الطلاب للتعبير عن رأيهم، ففي عامي 1935، 1946 وقفوا للمطالبة بالاستقلال والدستور، والطلبة هم من وقفوا إلى جانب محمد نجيب في أزمة 1954، وهم من انحازوا لجانب العمال وساندوهم في مظاهرات 1977، وكانوا أساس الحراك الشعبي الذي أدى إلى تكوين ثورة يناير 2011.

يوجد العديد من النماذج الأخرى المشرفة لدور الأنشطة الطلابية في المساهمة في التغير الأمثل لمجتمعهم في شتى بقاع الأرض، وسوف نكمل هذا في مقالة أخرى، ولكن نكتفي بهذا لإيضاح ما أهمية الدور الذي تلعبه الأنشطة الطلابية، وأيضاً لطرح تساؤل عن ما يجب أن يحدث عندما تبدأ هذه الأنشطة في عدم اعتبار الطالب في أولوياتها وتغير رسالتها ودورها من إحداث تغير في حياة الطلبة في الجامعات إلى السعي للحصول على إعجاب الإدارة ؟

الأنشطة الطلابية تحتاج إلى دعم مادي لكي تقوم بأنشطتها وفعاليتها، فبعضهم يقرر أن يكون كياناً مستقلاً، فيدعموا أنفسهم بدعم ذاتي أو يذهب إلى جهات لتدعمهم بدعم مادي أو معنوي مقابل مجموعة من الخدمات يقدمونها لهم بشكل متفق عليه بما لا يخالف مبادئهم ورسالتهم، والبعض الأخر يذهب إلى إدارة الجامعة لتدعمهم، وهذا من حقهم تماماً ولكن لا يفترض أن يكون على حساب الطالب.

وللأسف لكي يواصل النشاط حصد الأموال من الإدارة، لابد أن يواصل الحصول على إعجابهم، حتى لو وضع الإدارة في المرتبة الأولى والطالب الذي من المفترض أن يوجه رسالته يضعه أخر اهتمامته، إن لم يعبأ به في الأساس.

ولنوضح هنا بمثال عابر، نشاطٌ طلابي يقرر عمل حدث معين، ولكي يحدث بتنظيم لابد أن يكون بعدد حضور محدد، في عادة الأمر يضع النشاط الطلابي الأولوية للطلبة في الحضور، لأنه من المفترض أن ينظم هذا الحدث لهم، وبعد هذا يحدد نسبة تمثيل الإدارة في حضور الحدث.

ولكن افتراضياً، العكس تم حدوثه، تم اعتبار الأولوية لحضور الإدارة والتأكيد حضور عدد كافي للحصول على إعجاب الإدارة لكي تستمر تدفق الأموال لهم، وبعد أن تأكدوا من هذا، قرروا طرح العدد المتبقي للطلبة، عن طريق التسجيل ويتم وقف التسجيل عندما يصل إلى العدد المحدد.

ولكن هنا نتسائل إلى أي مدى يريد هذا النشاط إعجاب الإدارة!

فهل إذا طلبت المزيد يعطيها على حساب الطلبة ؟! أم يقف يقول لا أستطيع ؟

فدعنا نوضح افتراضياً أن الإدارة طلبت أن تزيد من نسبة حضورها في الحدث، فهذا النشاط الطلابي وافق، فالحل الوحيد هنا افتراضياَ هو اقتطاع نسبة تمثيل الطلبة التي تم تقليلها من البداية وإبدالها بالإدارة، الأمر الذي يعتبر اهانة واحتقار للطلاب الذين سارعوا بالتسجيل كما أعلن.

فالطالب هنا الذي اقتطع تذكرته بدون أي وجه حق، الذي سارع بكل شغف وحب للتسجيل ليذهب إلى حدث جامعته الذي من المفترض أن يوجه له فقط ويدعمه، يذهب للحصول على تذكرته فيقال له:” للأسف أساتذة طلبوا الحضور بعد أن حددنا نسب الحضور، فتم أخذ عدد من التذاكر المحددة للطلبة وإعطائها لهم”.

ولكن ما سمعه هذا الطالب هو :”قرر المزيد من الأساتذة الحضور، فرأينا أن يكون لهم الأولوية في حضور حدثنا عنكم، فنحن غير مهتمين بحضوركم ولا رأيكم في حدثنا، فإعجاب الإدارة هدفنا الأول، فلذلك أخذنا تذكرتك بدون أن نبدي لك أي اعتذار أو تنويه مسبق”.

في هذه الحالة إذا كان هذا النشاط يقدم رسالة ما، فكيف يطلب من الطلاب أن يستمع ويؤمن بهذه الرسالة، إذا لم يكونوا حاضرين لسماعها، أم من المفترض أن يؤمنوا بكلام الإدارة إذا أعجبهم الحدث والرسالة!

فهنا تحول هذا النشاط إلى أشبه بحزب شعبي، هدفه في البداية هو الارتقاء بحال المجتمع (الطلبة)، ولكن كي يستمر وجوده لابد أن يحصل على إعجاب النظام (الإدارة)، فقرر أن يغير من أيدلوجياته قليلاً، حتى يحصل على اهتمام النظام، فانشغل عن هدفه الأساسي وهو ارتقاء المجتمع.

في هذه الحالة، لابد أن أذكر الحل، فليست من طباعي هو الانتقاد دون حل، فالحل هنا سهل إذا كان هذا النشاط الطلابي ناجحاً ومحبوباً من قبل الطلاب، فعليه أن يؤمن برسالته والأهم أن يؤمن بالطلبة، فمن الممكن بدلاً من أن يذهب إلى الإدارة، يذهب إلى الطلبة، ويتحدث لهم ويقنعهم برسالته، ويطلب منهم مساعدته.

فالأمر بسيط، بعد أن يقتنع الطلاب برسالته يقوم بعمل حملة (crowd-funding) تبرعات مقابل خدمات، فيقول أن سوف ينظم حدث رائع برسالة مهمة، فيطلب منهم أن يدعمونه مقابل أن يكون لهم الأولوية في الحضور.

رأيتم كم هو حل سهلاً وجميل، ولكن هذا النشاط الطلابي ذهب إلى الحل الأسهل والأضمن.

في النهاية، أود أن أذكر بأن دور الأنشطة الطلابية هامة للغاية في دور حياة الشاب وتأهيله للحياة بعد الجامعة، فلابد أن يكون على قدر من المسؤولية تجاه الطالب.