خواطر حول التعليم- الجزء الثاني: التعلم من أجل التمكن

شيء مخزي أن يتم برمجة عقول الطلاب أن النجاح هو تخطي درجة معينة و الناتج عن ذلك أن الطالب يفرح كلما تخطي هذه النسبة حتي لو بدرجة واحدة فقط.



مازلنا مع النظام التعليمي و خطاياه التي لا حصر لها و هذه المرة مع الخطيئة الثانية التي نشأنا عليها خلال سنوات الدراسة المختلفة، ألا و هو مفهوم النجاح.
أغلب الأماكن في العالم تحدد نسبة معينة يجب إحرازها للنجاح في المواد، في الغالب هذه النسبة تكون 50% و ربما تصل إلى 60% في بعض الجامعات، لا يهم النسبة لكن ما يهم هو أنك إذا تخطيت هذه النسبة تنجح و إذا أحرزت أقل ترسب و تدرس المادة مرة أخرى كنتيجة لهذا المجموع.
هذا في رأيي شيء مخزي أن يتم برمجة عقول الطلاب أن النجاح هو تخطي درجة معينة و الناتج عن ذلك أن الطالب يفرح كلما تخطي هذه النسبة حتي لو بدرجة واحدة فقط.
الواقع أنه لا يجب أن يتخطى الطالب مرحلة معينة إلا عندما يتقن المهارة المطلوبة بنسبة 100٪، ولتوضيح ذلك سأضرب لك مثالاً يبين مدى بشاعة هذا المبدأ.
لنفترض أن عملية التعلم هي عملية بناء لمنزل من الأساس، أولاً يجب عمل الأساسات الخرسانية كاملةً، تخيل أن تصميم المنزل يتطلب عمل عشرين عموداً خرسانياً و قام المنفذ بعمل عشرة فقط!
هل ستقبل كمالك للبيت أن تعطي المنفذ نصف ماله؟ ثم تقول له: لقد نفذت 50٪ من المطلوب منك، لقد نجحت!
بالطبع أقل ما سيقال عنك مجنون و بالتأكيد أي عاقل لن يقبل بأقل من العشرين عمودا أي مئة بالمئة، و كذلك لن تقبل من عامل البناء أن ينفذ حتى و لو 95 ٪ فقط من الحوائط المطلوبة و تعطيه تقدير إمتياز أو A+ هذا أيضاً سيكون ضرباً من الجنون.
من الواضح أن عملية بناء البيت عملية تراكمية مكتملة؛
تراكمية أي أنه غير مقبول بدء مرحلة قبل أخرى، و مكتملة أي أن كل مرحلة يجب أن تتم بنسبة 100٪، كذلك هي عملية التعلم الصحية؛ لا تقبل بتجاوزك لمقرر تعليمي حتي تتمكن منه بنسبة 100٪ و ليس أقل من ذلك.
هذا ما يمكن أن نطلق عليه “Learning for mastery” أو التعلم من أجل التمكن، و هو لايقبل بأي حال من الأحوال أن يكون هناك درجات أو مستويات في التعليم بل يجب على كل الطلاب أن تتمكن من المادة العلمية بنفس القدر حتى يطلق عليه حاصل على هذه الدرجة العلمية أو تلك.
هذا المفهوم الخاطىء الذي يتم زرعه لا إدراكياً داخل عقول الطلاب يؤثر بصورة أو بأخرى على حياتهم بعد مغادرة النظام التعليمي؛ تجد دائما من يريد تعلم مهارة جديدة يبحث عن درجة النجاح أو كيف سيجتاز الامتحان في هذه المهارة.
أشهر وأوضح مثال على ذلك تعلم اللغات؛ تجد طلاب اللغات دائما ما يبحثون عن كيف سأحصل على درجة النجاح في المستوى الأول لأذهب إلى المستوى الثانى و كيف سأجتاز المستوى الثاني لأصل إلى الثالث و هكذا بدون أن يطمئن على المهارات التي اكتسبها خلال المستوى الذي يدرس فيه هل تمكن منها أم لا؟ هل هو مؤهل فعلاً للانتقال إلى مستوى أعلى أم لا؟ هل المهم هو التمكن من المهارات واحدة تلو الأخرى أم مجرد الحصول على درجة معينة؟ هذه الدرجة في النهاية لا تضمن بأي حال من الأحوال أنه متمكن في اللغة أم لا.
لذلك أختم بالمقولة المشهورة “الشهادة ورقة قد تثبت أنك متعلم، لكن لا تثبت أبداً أنك تفهم”.